الصفحة 314 من 989

ولكنه لا يعذر إذا سلّمها _ كما هي _ إلى الجيل الآتي, ويقترف جريمة غش لا تغفر إذا حمل أوزاره وأوزار أجيال قبله على الجيل الآتي, بعد أن كشف عررها, وتبين ضررها.

فتح جيلنا هذا عينه في ظلمات مضطرّبة, بعضها فوق بعض تتخللها بروق معشية, ورعود صاخَّة, ثم رجع بصره فإذا ذئاب تتخطف, وصوالجة تتلقّف، وطفيليات أنبتها الدهر في دمنته، ثم رجع البصر كرتين فإذا أمامه مسافاتٌ مما قطع السائرون؛ ثم طلب الحياة, فإذا سبلها وعرة, والصراط إليها أرقّ (1) من الشعرة وما زال هذا الجيل يتعثر في أذيال الماضي, ويتخبط في ظلمائه, ويحمل من أثقاله ما يقعد به كلما رام النهوض وإن أثقل ما يعانيه من تلك الأوزار, اختلافُ الرأي حتى فيما تبينت طريقته, ولجاجُ الفكر حتى فيما ظهرت حقيقته.

حرام علينا أن نرضى للجيل الآتي بما لم نرض به لأنفسنا, وأن نجرّعهم هذا الحنظل الذي تجرّعناه, وأن نلوّث نفوسهم البريئة بهذه القاذورات، وأن نبتليهم بما ابتلانا به آباؤنا من أدواء التفرُّق المهلك، والأنانية الكاذبة، والغرور المدُلي، والتنكر للقريب، والخضوع للغريب.

حرام علينا أن نقلدهم هذه الأسلحة المسمومة؛ فيتفانون كما تفانينا، ويذوق بعضهم بأسَ بعض، ويشقون جميعًا، ويسعد بشقائهم الغير.

حرام علينا أن نسلم إليهم شيئًا من هذه التركة التي يجب أن تنفقَ في جهاز الميت فتدفنَ معه، ويأمن الأحياء شرها، إذ لم ينالوا خيرها.

(1) هكذا في الأصل ولعلها: أدق (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت