الصفحة 346 من 989

ثانيها: ما يحكى على ألسنة ذوى نفوس ناطقة, ويدل المتكلم بالقرينة أو بالصريح من القول على أنه اخترعها؛ لتكون مأخذ عبرة أو أدب لغة, كما صنع أبو القاسم الحريري في مقاماته.

وهذان الضربان من قبيل الإخبار بما يخالف الواقع والاعتقاد, والذي يستر عيب الكذب هنا أن المتكلم لم يوقع المخاطب في غلط وسوء تصور, وإنما يعرض عليه حكمةً أو أدبَ لغةٍ في أسلوب طريف.

ثالثها: مايحكيه الرجل على ألسنة ذوى نفوس ناطقة, ولا ينبه على أن القصة غير واقعة, وهذه _ أيضًا _ خارجة عن حد الصدق إلى مكان بعيد, ولو كان الداعي إلى وضعها ماتحتويه من عبرة أو أدب لغة.

فالذين يزعمون أن في القرآن قصصًا غير واقعة، وأنها سبقت لما تحتويه من موعظة لا يريدون إلا أن يطعنوا في القرآن , ويخادعوا المؤمنين، والمؤمنون لا يخدعون.

صدق اللهجة وإخلاف الوعد:

الوعد أخبار عما ستفعله في المستقبل من إحسان, والصدق والكذب يحريان في الأخبار المستقبلة كما يجريان في الأخبار الماضية.

وقد وصف الله _ تعالى _ إسماعيل _ عليه السلام _ بصدق الوعد أوفائه بما يعد فقال: [إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا]

وإذا كان الوفاء بالوعد يجعله صادقًا فإخلافه يجعله كاذبًا لا محالة.

وقد اختلف أهل العلم بعد هذا في لزوم الوفاء بالوعد, فذهبت طائفة إلى أن من وعد شخصًا بإحسان وجب عليه إنجاز ما وعد, وقضى عليه بأدائه.

وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز ÷ ورجحه أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي فقال =والصحيح لزوم الوعد, وُخْلفَه كذب ونفاق+

وذهب طائفة أخرى إلى أن الوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق, وأن صاحبه يملك الرجوع عنه, وإذا بدا له أن يرجع فليس للقاضي عليه من سبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت