الصفحة 347 من 989

وذهب جماعة من فقهاء المالكية إلى تفصيل, وهو أن الوعد المطلق غير لازم, وأما الوعد المنوط بسبب فإنه يصير بمنزلة الدَّين الذي لا مناص له من قضائه, ومثال هذا أن تقول لشخص: تزوج وأنا أدفع المهر, فإذا تزوج كان للحاكم أن يقضي عليك بدفع المهر قضاءًا نافذًا.

صدق اللهجة وإخلاف الوعيد:

الوعيد إخبار عما ستفعله من شر؛ فإخلافه يجعله كالوعد المخلف قولًا كاذبًا.

والرجل الذي يوعد آخر، ثم يضرب عنه عفوًا إنما يمدح من جهة أن مصلحة إخلاف الوعيد أرجح من مصلحة إنفاذه؛ ففضيلة العفو تغمر عيب الكذب, وتجعله في نظر الأخلاق شيئًا منسيًا.

ولتضاؤل نقص الكذب تحت عظم فضيلة العفو ساغ للإنسان أن يتمدح بإخلاف الوعيد الذي يقول:

وإني إن أوعدته أو وعدته ... لأخلف إيعادي وأنجز موعدي

ولا شك أن من يقرن الوعيد بنحو المشيئة يحميه أن يجعل إخلافه كذبًا.

ولكن الوعيد شأنه أن يصدر في حال غضب لا يملك صاحبه النظر إلى العواقب؛ فهو لا يكاد يلفظ به إلا بعد عزم وتصميم.

صدق اللهجة والمعاريض:

في هذه الحياة بلاء، وأشد بلائها ما يمنعك من أن تقضي حق فضيلة؛ فقد يلاقي الإنسان حالًا ترغمه على أن ينطق بما يكره, ويسلك في القول ما لم يألف.

ولو وقف علم الأخلاق أمام هذه الأحوال المرغمة صلبًا جامدًا لضاقت سبيله, ووجد بعضُ النفوس للخروج على أمره عذرًا بينًا.

وقد وجدنا علمَ مكارم الأخلاق _ الذي رفع الإسلام قواعده _ فسيحَ الصدرِ بمقدار ما يسع مقتضياتِ الحياةِ الفاضلة.

فصدق اللهجة يعد من الفضائل؛ نظرًا إلى ما هو شأنه من حفظ المصالح ودرء المفاسد, ولو عرضت على وجه الندرة حالٌ يكون حديثُ الرجل فيها على نحو ما يعلم جالبًا عليه أو على غيره ضررًا فاحشًا_ لوجد في قانون الأخلاق مرونةً تسمح له بأن يصوغ حديثه في أسلوب لا يجلب ضررًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت