فهرس الكتاب
فإذا وقع الإنسان في حال لا يليق معه التصريح بأمر واقع, ولم يكن بد من أن يقول في شأنه شيئًا_ فها هنا يفسح له بمقتضى قانون الأخلاق الذي أتقن الإسلام صنعه أن يأخذ بالمعاريض,وهي ألفاظ محتملة لمعنين يفهم السامع منها معنى, ويريد المتكلم منها معنى آخر.
وإذا شئت فقل: هي ألفاظ ذات وجهين: أحدهما: غير حقيقة وهو ما يسبق إلى فهم المخاطب, وثانيهما: حقيقة وهو ما يقصد المتكلم, ويحق لك أن تسمى اللفظ من أجله حديثًا صادقًا.
وهذا ما يفعله الذين أُشْرِبوا صدق اللهجة متى عرفوا أن في القول الصريح حرجًا أو خطرًا.
ومما يساق مثلًا لهذا أن أبا بكرٍ الصديقَ كان يُسْأَلُ عن النبي"في طريق هجرتهما من مكة إلى المدينة وهو يريد كتم أمره فيقول: =هذا يهديني السبيل+."
ويريد أبو بكر من السبيلِ سبيلَ الخير والسعادة, ويحملها السائل على الطريق التي يسلكها المسافرون.
وما كانوا يرضون عن الحديث ذي الوجهين إذا عمد إليه الرجل لغرض غير صالح, قال عبد الله بن عقبة: دخلت مع أبي على عمر بن عبدالعزيز، فخرجت وعلي ثوب, فجعل الناس يقولون هذا كساكه أمير المؤمنين, فكنت أقول: جزى الله أمير المؤمنين خيرًا، فقال لي أبي: يا بني اتق الكذب وما أشبهه؛ نهاه عقبه عن إجابة السائلين بقوله: جزى الله أمير المؤمنين خيرًا؛ لأنه يلقي في أذهانهم أن الخليفة هو الذي خلع عليه هذا الثوب, ولا داعي له إلى أن يجيبهم بهذه الجملة التي يتبادر منها غير الواقع سوى قصد الفخرِ, والفخرُ بإصابة حظوة عند الأمراء _ ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز _ لا يحسب في الأغراض المحمودة حتى يحل للرجل أن يرتكب له حديثًا ذا وجهين.