الصفحة 368 من 989

هذه هي أهم الأسباب التي تألفت منها رذيلة البخل؛ فإن أغفلنا النظر إليها، وسَلَّمْنا للسائل صحة سؤاله عما يستفيده البخيل من بخله، حتى على نفسه، وفرضنا البخيل مختارًا فيما يفعل غير مساق إلى هذا المورد الوبيل بسائق الغريزة الفاسدة _ كان منال النجم أقرب من تَطَبُّقِ حاله هذه على قاعدة من قواعد العقل؛ لأنَّ الله _تعالى_ خلق الإنسان، وَرَكَّبَ فيه رغباتِ الشهوات مختلفة، بعضها نفسي، والآخر جسدي؛ فهو لا يزال يتطلبها ما لم يعجز عنها؛ فصاحب المال الكثير الذي يقنع بالشملة والمضغة، والجرعة والظلة، ويحمل في كل لحظه أشد الآلام من مقاومة نزوات نفسه، ونزعاتها إلى ميولها ورغباتها _ لا يمكن أن يحمل حاله على محمل العجز؛ لأنه قادر، ولا على الزهد؛ لأنه ما زهد فيما لا ينفع؛ فيزهد فيما ينفع، ولا على الخوف من الفقر؛ لأن عنده من المال ما يفني الأعمار؛ فهيهات أن يفنيه عمر واحد، ولا على رغبة في سعادة الذرية؛ لأن محبة الأب لولده لا يمكن أن تزيد على رغبته في أن يراه شريكًا له في سعادته.

فأما أن يشقى في حياته، ليسعد ولده بعد مماته فما لا يقبله العقل، ولا يدخل في دائرة من دوائر الفهم، فلم يبق لنا إلا نتوسل إلى علماء النفس أن يأذنوا لنا بالتوسع في تفسير معنى الجنون؛ حتى لا يكون مقصورًا على المعربدين والهاذين، بل يكون شاملًا للعابثين الذين لا يدرون ما يأخذون وما يدعون، والذين يجلبون لأنفسهم بإرادتهم وباختيارهم آلامًا نفسية هي أشد مما يجلبه المجانين على أنفسهم بمناطحة الجدران، ومطاردة الصبيان، كما نتوسل إلى علماء الشرائع أن يضعوا قانونًا لاستخراج المال من خزائن المقترين كما وضعوا قانونًا لحفظ المال في صناديق المبذرين (1) ؛ فإن تبذير المال يضر قومًا وينفع أقوامًا، أما حبسه فيضر صاحبه، ويضر معه الناس أجمعين .

(1) لقد تكفلت الشريعة بكل هذا (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت