فهرس الكتاب
وهذا مما يعرفه الذين آمنوا كما يعرفون أبناءهم، ولكن للهمم خمود، وللعزائم فترة لا يتيقظ من موتتها إلا من استفزَّته صروفُ الحوادث، وأَرَتْهُ كيف ترقى أمةٌ إلى مكانةِ العزِّ، وتنحط أخرى إلى وَهْدَةِ السقوط، ولا تفعل ذلك إلا بمن أدركت منه رمقَ حياةٍ لم يزل نبضُها خافقًا.
أما من سكنت إحساساته، حتى التحق عند أولي البصائر ببهيمة الأنعام_ فلا يحس لها وَجْبَة، ولا يسمع لها ركزًا.
وإن تعجب فعجب ما يتخيله بعض من رُبِّي في مهد الجمود من أن هذا الدينِ القيِّم لم يرشد إخوانه إلى إلا العبادات المحضة، وأنه حجاب مسدول بينهم وبين المدنية، وروج هذا التخيل الزائف على البسطاء وقوفهم عند ظواهر آيات وأحاديث واردة في ذم متاع الحياة الدنيا، ولو اتسعت خطواتهم في التدبر لأبصروا ما هو التحقيق.
وإيضاحه أن الشارع يفعل بالمكلف فعل الطبيب الرفيق، إذا أصابت المريض علةٌ بانحراف بعض الأخلاط قابله في معالجتها على مقتضى انحرافه في الجانب الآخر؛ ليرجع إلى الاعتدال.
لما آمن الناس، وظهر من بعضهم ما يقتضي الرغبة في الدنيا رغبةً ربما أمالته عن الاعتدال في طلبها، قال _ عليه الصلاة والسلام _: =إن مما أخاف عليكم ما يفتح لكم من زهرات الدنيا+.
ولما لم يظهر ذلك منهم مظنته قال _ تعالى _: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ] الأعراف:32.
ولما ذمَّ الدنيا ومتاعها، همَّ جماعة من الصحابة _ رضوان الله عليهم _ أن يتبتلوا ويتركوا النساء واللذة والدنيا، وينقطعوا إلى العبادة، فرد ذلك عليهم رسول الله"ودعا لأناس بكثرة المال والولد بعد ما أنزل الله: [أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ] الأنفال:28."