فهرس الكتاب
وأقر الصحابة على جمع الدنيا، والتمتع بالحلال منها، ولم يزهدهم، ولا أمرهم بتركها إلا عند ظهور حرص، أو وجود منع من حقه.
وقد كان المتعبدون من قبل يترهبون بالتخلي عن أشغال الدنيا، وترك ملاذها والعزلة عن أهلها وتَعمُّد مشاقها، فنفاها النبي"ونهى المسلمين عنها فقال: =لا رهبانية في الإسلام+."
ومن الآيات الشاهدة لهذا الغرض قوله _ تعالى _: [وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ] القصص:77، لما وقع الأمر بصرف المال إلى الآخرة في قوله: [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ] بين الواعظ بعد بقوله: [وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا] أنه لا بأس بالتمتع بالوجوه المباحة، ما لم يكن صاحبها عن الواجبات في شغل شاغل، قال مادح عمر بن عبدالعزيز:
فلا هو في الدنيا مُضيعٌ نصيبَه
... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله
وعلى نحو هذا جرى ذكر التجارة في معرض الحط من شأنها حيث شغلت عن طاعة في قوله _ تعالى _: [وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا] الجمعة:11.
ولما فُقِد ذلك المعنى العارض ذكرت ولم يُهْضَم من جانبها شيء كما في قوله _تعالى_: [رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ] النور:37.
فقد أثبت لهؤلاء الكمل أنهم تجارة وباعة،ولكنها لم تشغلهم ضروب منافع التجارة عن فرائض الله، وهذا قول المحققين في الآية.
أما ما يقوله بعضهم من أنه نفى كونهم تجارًا أو باعةً أصلًا فخلاف ظاهر الآية، والسر في اختصاص الرجال بالذكر أن النساء لسن من أهل التجارات والجماعات وما ينبغي لهن ذلك، كما أن تخصيص التجارة من بين سائر أسباب الملك؛ لكونها أغلب وقوعًا وأوفق لذوي المروءات.