الصفحة 380 من 989

ومما يزداد به هذا المقصد بيانًا قوله _ تعالى _: [يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] الأعراف:31.

فقد بيّن بهاته الآية أن الزينة من علائق العبادة، وأنها غير منافية لها، وأن العبادة تستدعي الإعراض عن اللذات الحسية المعتدلة.

وبالجملة فإن الآيات التي تحث على العمل والكسب كثيرة قال _ تعالى _: [فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ] الجمعة:10، [اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] الجاثية:12، [وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ] المزمل:20.

فالحكيم الخبير مَنْ يَقْدُرُ الوقت حَقَّ قدره، ولا يتخذه وعاء لأبخس الأشياء وأسخف الكلام، ويعلم أنه أجلُّ شيءٍ يصان عن الإهمال والإضاعة، ويَقْصُره على المساعي الحميدة التي ترضي الله وتنفع الناس، وبذلك ينتشر العمران في أطراف البلاد،وتتوفر مواد الصلاح، وتنقطع أسباب الفساد، وذلك هو معنى المدنية.

أما من كتب على نفسه البطالة، فقد رضي لها بأسوءِ الحرف وأخسها؛ إذ لا صُنْعَ لهذا المحترف غالبًا إلا التَّمَضْمُضُ بكلمات التشنيع والتسخط على ما يفعله غيره وإن غَزُرَتْ فائدته، ولا تراه إلا مترددًا على المجالس التي تساق إليها بضائع اللغو، ليكون أحد الحاملين لأسفارها.

ومما يعجب منه أنك تجد الرجل يحسن القراءة، وحواليه كتبٌ مفيدة يمكنه أن يقتبس منها فوائد يستضيء بها صدره من ظلمات الجهالة ولا يفعل، وتجد آخر يتقن صناعة أَوْ لَهُ استعداد لإتقانها وليس له حركة إلا الانتشار في الطرق كأنما أوجر على قيسها، ولا توفيق إلا بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت