الصفحة 381 من 989

الواجب (1) عبدالسلام الشربيني

لا يعرف الواجب من لا إرادة له، ولا يعرف الإرادة من لا ضمير له، ولا يعرف الضمير من لا عقل له، ولا فائدة في عقل لم تعمل فيه يد المعرفة.

وليست الإرادة أن يستبد الإنسان بسلطته إن كان من ذوي السلطات، أو يتمسك بكل شيء من غير أن يقدر أو يفهم هذا الشيء، فإن هذا يسمى جهلًا لا إرادة؛ لأنه إذا قيل: فلان له إرادة قوية كأنه قيل: فلان هذا له عقل مهذب، وضمير سليم؛ لأنه عرف كيف يستفيد منهما.

والضمير لا يكون إلا بوجود العقل المهذب، فإنَّ تركَ العقلِ بدون تربية وتهذيب يموت الضمير بموته، وينقطع الصوت الذي يؤنبنا على فعل السيئ، والذي يمدحنا ويشجعنا على فعل الحسن، أو بمعنى أصح تتنحى المحكمة المنظمة_التي تُنْشَأ لأنفسنا من أنفسنا _ عن إرشادنا.

والويل كل الويل لمن لا محكمة له من نفسه، فإن لم تكن هذا المحكمة الصالحة، أو إن لم يسع إلى وجودها فكأنه أقام الناس عليه حكامًا ينفذون عليه كل أحكامهم.

ومن هنا يموت ضميره، ويصدأ عقله، وتكون حياته بين الإنسانية والحيوانية.

إن الواجب هو الذي يلهمنا الثبات أمام ما هو مفروض علينا، وهو الذي يجعلنا نزداد ثباتًا أمام هذا الشيء الواجب علينا عمله، لا متطلعين إلى مطامع، ولا هائبين أيَّ إنسان ما دمنا في طريق الحق.

والإخلاص للواجب من شيم الأحرار، وهم أحرار؛ لأنهم يفعلون ما وجب فعله بإيحاء من ضمائرهم وعقولهم، وليسوا بعبيد يفعلون ما يؤمرون.

فإن كنا لا ننتظر من عمل الواجب شيئًا إلا أن نصل بفعله إلى ما نبتغي من آمال ومطامع فكأننا نخدع أنفسنا بأنفسنا؛ لأن من يقوم بعمل الواجب مخلصًا في عمله لا ينتظر شيئًا بعد ذلك اللهم إلا تشجيع ضميره، وهذا هو الذي يسمى بالرجل الفاضل.

(1) مجلة الهداية الإسلامية، الجزء الثامن، المجلد التاسع ص505، صفر 1356هـ _ إبريل1937م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت