الصفحة 382 من 989

وليست الفضيلة قولًا خلاَّبًا مزركشًا، ولكنها عمل وثبات وتضحية، تصحبها المعرفة والنزاهة والشرف.

كثيرًا ما أجد الناس يرمون الحياة بالفساد والخبث، والحقيقة أنهم جدُّ خاطئين.

ما فسدت الحياة إلا بفساد الإنسان، وما فسد الإنسان إلا لعدم قيامه بالواجب؛ فلو هذَّب عقله لعمل هذا العقل على تربية ضميره، ولو رقى ضميره لأجبره هذا الضمير على عمل الواجب، ولو عمل كل إنسان ما عليه من واجبات لاتزنت الحياة، ولما رأينا فيها هذا الفساد ولا هذا الخبث، ولا شيئًا من هذه العادات التي يمقتها الناس، مع العلم بأن الناس هم الذين أوجدوا هذه العادات.

ومن الناس من لا يعرف من الواجب إلا ما يقوم به نحو نفسه؛ فهو يقوم بكل ما تتطلبه شهواته، وما سيطرت عليه شهواته إلا لموت ضميره، وأيضًا من يقوم بكل ما تطلبه نفسه من لذات هذه الحياة قد تسوقه هذه النفس إلى الخطايا، وهذا الحب للنفس هو الذي يجعله يرتكب أكبر الآثام، ويعميه عن معرفة الصالح والطالح، ويجعله عاجزًا عن تقدير الأمور؛ ولذا تجد آخرته منقلبة؛ فبعد أن كان محبًَّا لنفسه يصير عدوًَّا لها، وقد لا يشعر بهذه العداوة.

وهل هذا إلا من ضعف الإرادة، وموت الضمير، وفساد العقل؟

إن خير ما يقوم به الإنسان نحو نفسه هو أن يروِّضها على العمل، ويدربها على الشجاعة، وأن لا يجعلها ألعوبة تتقاذف بها الأهواء، وأن يضعها في المكان اللائق بها.

وقد يجد ذوو النفوس الضعيفة صعوبة في تدريب أنفسهم على هذه الفضائل؛ ولكن ليعلموا أنه لا سعادة لهم بغيرها، فإن كان ظاهرها العذاب فباطنها الرحمة.

وما السعادة إلا أن يعمل الإنسان ما عليه من واجبات، وأن يقوم بهذه الواجبات خير قيام.

الغني والفقير (1) للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي

(1) مؤلفات المنفلوطي الكاملة الموضوعة ص69_ 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت