فهرس الكتاب
مررت ليلة أمس فإذا برجل بائس فرأيته واضعًا يده على بطنه كأنما يشكو ألمًا، فرثيت لحاله وسألته: ما باله؟ فشكا إلي الجوع، ففثأته (1) عنه ببعض ما قدرت عليه، ثم تركته وذهبت إلى زيارة صديق لي من أرباب الثراء والنعمة، فأدهشني أني رأيته واضعًا يده على بطنه، وأنه يشكو من الألم ما يشكو ذلك البائس الفقير، فسألته عما به فشكا إليَّ البطنة، فقلت: يا للعجب! لو أعطى ذلك الغنيُّ ذلك الفقيرَ ما فَضَل عن حاجته من الطعام ما شكا واحدٌ منهما سقمًا ولا ألمًا.
لقد كان جديرًا به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته، ويطفئ غلته؛ ولكنه كان محبًا لنفسه، مغاليًا بها، فضم إلى مائدته ما اختلسه من صحفة الفقير؛ فعاقبه الله على قسوته بالبطنة؛ حتى لا يهنئ للظالم ظلمُه، ولا يطيب عيشُه.
وهكذا يصدق المثل القائل بطنة الغني انتقام لجوع الفقير.
ما ظنت السماء بمائها، ولا شحت الأرض بنباتها، ولكن حسد القوي الضعيف عليهما فزواهما (2) واحتجنهما (3) دونه، فأصبح فقيرًا معدمًا، شاكيًا متظلمًا، غير ماؤه المياسير الأغنياء، لا الأرض والسماء.
(1) يقال: فثأت فلانًا عن فلان إذا سكنت غيظه عليه.
(2) زوى عنه حقه: منعه إياه.
(3) احتجن الشيء: إذا جذبه بالمحجن إلى نفسه، والمحجن الصولجان، والمراد أنه استأثر به.