الصفحة 384 من 989

ليتني أملك ذلك العقل الذي يملكه هؤلاء الناس؛ فأستطيع أن أتصور كما يتصورون حجة الأقوياء في أنهم أحق بإحراز المال، وأولى بامتلاكه من الضعفاء؛ إن كانت القوة حجتهم عليه، فلم لا يملكون بهذه الحجة سلب أرواحهم كما ملكوا سلب أموالهم؟ وما الحياة في نظر الحي بأثمن قيمة من اللقمة في يد الجائع. وإن كانت حجتهم أنهم ورثوا ذلك المال عن آبائهم قلنا لهم: إن كانت الأبوة غلة الميراث فلم ورثتم آبائكم في أموالهم ولم ترثوهم مظالمهم؟ فلقد كان آبائكم أقوياء فاغتصبوا ذلك المال من الضعفاء، وكان حقًا عليهم أن يردوا إليهم ما اغتصبوا منهم، فإن كنتم لابد ورثاءهم فاخلفوهم في رد المال إلى أربابه, لا في الاستمرار على اغتصابه.

ما أظلم الأقوياء في بني الإنسان، وما أقسى قلوبهم، ينام أحدهم ملء جفنيه على فراشه الوثير، ولا يقلقه في مضجعه أنه يسمع أنين جاره ، وهو يرعد بردًا وقرًا، ويجلس أمام مائدة حافلة بصنوف الطعام قَدِيدِه وشوائه حلوه وحامضه ولا ينغص عليه شهوته علمه أن بين أقربائه وذوي رحمه من تتواثب أحشاؤه شوقًا إلى فُتَات تلك المائدة ويسيل لعابه تلهفًا على فضلاتها، بل إن بينهم من لا تخالط الرحمة قلبه ولا يعقد الحياء لسانه، فيظل يسرد على مسمع الفقير أحاديث نعمته، وربما استعان به على عد ما تشتمل خزائنه من الذهب وصناديقه من الجوهر وغرفه من الأثاث والريش؛ ليكسر قلبه وينغص عليه عيشه ويبغض إليه حياته وكأنه يقول له في كل كلمة من كلماته وحركة من حركاته: أنا سعيد؛ لأني غني، وأنت شقي؛ لأنك فقير.

أحسب لولا أن الأقوياء في حاجة إلى الضعفاء يستخدمونهم في مرافقهم وحاجاتهم كما يستخدمون أدوات منازلهم، ويسخرون في مطالبهم كما يسخرون مراكبهم، ولولا أنهم يؤثرون الإبقاء عليهم؛ ليمتعوا أنفسهم بمشاهدة عبوديتهم لهم وسجودهم بين أيديهم _ لامتصوا دمائهم كما اختلسوا أرزاقهم، ولحرموهم الحياة كما حرموهم لذة العيش فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت