فهرس الكتاب
لا أستطيع أن أتصور أن الإنسان إنسان حتى أراه محسنًا؛ لأني لا أعتمد فصلًا صحيحًا بين الإنسان والحيوان إلا الإحسان، وإني أرى الناس ثلاثة: رجل يحسن إلى غيره؛ ليتخذ إحسانه إليه سبيلًا إلى الإحسان إلى نفسه، وهو المستبد الجبار الذي لا يفهم من الإحسان إلا أنه يستعبد الإنسان؛ ورجل يحسن إلى نفسه ولا يحسن إلى غيره وهو الشَّرِه المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهب جامد لذبح في سبيله الناس جميعًا؛ ورجل لا يحسن إلى نفسه ولا إلى غيره وهو البخيل الأحمق الذي يجيع بطنه ليشبع صندوقه؛ وأما الرابع: وهو الذي يحسن إلى غيره ، ويحسن إلى نفسه، فلا أعلم له مكانًا، ولا أجد إليه سبيلًا، وأحسب أنه هو الذي كان يفتش عنه الفيلسوف اليوناني =ديوجين الكلبي+ حينما سئل: ما يصنع بمصباحه؟ وكان يدور به في بياض النهار، فقال: =أفتش عن إنسان+.
متاعب الحياة (1) للأستاذ أحمد أمين
الحق أن هناك صنفين من المتاعب: متاعب حقيقية ومتاعب وهمية، وربما كانت الأخيرة أكثر من الأول؛ فمن كان فقيرًا لا يجد ما يسد رمقه ورمق أسرته فهذا مصدر تعب حقيقي، ومن رزقت بزوج غير صالح فَتَعَبُها منه تعبٌ حقيقي.
ولكن هذا وأمثاله قليل بجانب المتاعب الوهمية التي يخلقها الإنسان خلقًا والتي تعود إلى حالة مرضية في نفسه أكثر مما تعود إلى سبب خارجي متعب حقًا.
ولنستعرض الآن نماذج من الناس يتعبون متاعب جمة، ومصدر تعبهم هم أنفسهم، وكان في إمكانهم أن لا يتعبوا إذا غيَّروا نفسيتهم، وأصلحوا من نظرتهم إلى الحياة.
هنالك الرجل الذي لا يعمل عملًا إلا وأغضب من حوله؛ فإذا وظف أتعب زملاءه بما يجرحهم من كلام، أو ما يصدر عنه من تصرف، وإذا ساق سيارة لم يبال بما يصنع في الطريق، وإذا أشرف على أسرته لم يعبأ بزوجته ولا ولده، وإذا تصرف أي تصرف في الحياة استطاع بقدرته العجيبة أن يحول تصرفه إلى معركة مهما كان نوع العمل بسيطًا.
(1) فيض الخاطر، 10/ 193 _ 201.