فهرس الكتاب
وهناك المرأة التي تخلق من كل شيء سببًا للنزاع حول ما تشتري، وحول ما تلبس، وحول ما تسكن، ولا يعجبها أي تصرف من تصرفات زوجها، ولا يعجبها أي عمل من أعمال أولادها؛ فهي ناقمة أبدًا ساخطة أبدًا متعبة لنفسها ولأسرتها أبدًا.
وهناك الرجل الذي حطم أعصابه بسلوكه، وتوقع الفشل في كل شيء سيحدث فهو إذا تزوج اعتقد أنه سيفشل في الزواج، وإذا رزق أولادًا توقع أنهم لا ينجحون في مدارسهم، وإذا سار في الطريق توقع أنه ستصدمه سيارة أو ترام، وإذا عهد إليه عمل توقع أنه لن ينجح فيه وهكذا...
فنظرته إلى الدنيا نظرة تشاؤم مستمر، وهذه النظرة كفيلة بأن تنغص عليه، وعلى من حوله معيشتهم.
وهناك العيَّابون والظنَّانون الذين لا يعجبهم العجب، فلا أسرتهم تعجبهم ولا حكومتهم تعجبهم، ولا الجرائد إذا قرؤوها، ولا المجلات إذا تصفحوها، ولا التعليم إذا عرضت عليهم أساليبه، ولا أي نظام في بلدهم يعجبهم، ثم هم يعيبون ولا يقترحون، ويهدمون ولا يبنون، فاسودَّ العالم أمامهم، وسودوه من حولهم.
هذه بعض أمثلة من متاعب الحياة الوهمية التي أوجدها الإنسانُ بنفسه، وخَلَقَها بأوهامه أو أعصابه أو تشاؤمه، ثم رمى نفسه بها، وتعب منها، وأتعب من حوله بها.
والعالم مملوء بهذه المتاعب الوهمية التي ليس لها علاج خارجي، وإنما علاجها ليس إلا في إصلاح النفس ونظرتها إلى الحياة.
والناس في هذه المتاعب الوهمية كلابس المنظار؛ فمن لبَّس منظارًا أسود رأى الدنيا كلها سوداء، ومن لبس منظارًا أبيض رأى الدنيا كلها بيضاء.
وفي استطاعة الإنسان إذا ربى نفسه تربية صحيحة أن يتغلب على المتاعب الوهمية، بل وعلى كثير من المتاعب الحقيقية؛ نعم إن هناك متاعبَ خارجةً عن إرادته كمتاعب الغارات الجوية، وكوارث الحرب، وبعض ما أنتجته المدنية الحديثة من شرور، ولكن هذه نادرة الحصول في الحياة العامة للإنسان.