الصفحة 387 من 989

أما المتاعب اليومية الكثيرة الوقوع فيمكن التغلب عليها بتسليح النفس وتقويتها، وأهم سلاح للنفس تستطيع به التغلب على المتاعب قدرتها على تعديل نفسها على وفق الصعاب التي تعترضها، فإذا كانت متاعب الحياة من قلة دخل البيت أمكن بالحكمة في الإنفاق التغلب على الصعاب، وإذا كان التعب من غضب الزوجة أو الزوج فالعلاج أن يتعود الحلم، ويقابل الإساءة بالإحسان.

وكلما استطاع الإنسان أن يعدِّل نفسه وفق الظروف التي حوله كان أسعد حالًا، وأقل متاعب.

يُروى أن ستة أشخاص قضت عليهم الظروف السيئة أن يُحبسوا في حجرة ضيقة مغلقة ستة أشهر ومعهم طعام قليل، وماء قليل، فأما اثنان منهم فتبرما أشد التبرم من هذه الحياة، ولم يريا بصيصًا من الأمل يسري عنهما؛ فأصيبا بالجنون.

وأما ثلاثة آخرون منهم فنظروا إلى هذه الحياة بمنظار أقل سوادًا من الأولين؛ فأصيبوا بنوبات عصبية متقطعة، وأما السادس فأبعد عن ذهنه ما استطاع فكرة البؤس الذي هو فيه والتفكير فيما سيحدث، وشغل نفسه بتأليف كتاب يستمده من أفكاره وآرائه ومعلوماته؛ فلما فتح عليهم الباب ليطلق سراحهم كانت حالتهم ما شرحنا، ولا فرق بينهم إلا أن من نجا منهم عدَّل نفسه وفق ظروفه، وأما الخمسة الآخرون فلم يستطيعوا ذلك.

إن كثيرًا من متاعبنا تنشأ من جُبننا واستسلامنا للمتاعب تطغى علينا، وتخيفنا، وتحاربنا؛ فتهزمنا.

أما من شجع قلبه، وصمم على أن يتغلب على المتاعب مهما كثرت، وكبرت فإنه يغلبها، ويظفر بها، وينجو من أضرارها.

إن موقف الإنسان أمام المتاعب كموقف الجنود في ميدان القتال، إن فروا هزموا وتغلب العدو عليهم، وإن صبروا واحتملوا وصمموا على أن يغلبوا العدو فازوا وظفروا.

من أراد أن يعالج نفسه علاجًا حقيقيًا ليخفف عنه وعمن حوله ما يصدر عنه من متاعب، فليعرف نفسه أولًا.

حدثتكم في الحديث الماضي عن متاعب الحياة وأن كثيرًا من هذه المتاعب وهمي، وبعضها حقيقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت