فهرس الكتاب
واليوم أذكر لكم أن هذه المتاعب بعضها يكون مصدرها الشخص، وبعضها يكون مصدرها النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي الذي يحيط به مما له به علاقة.
فأبدأ بذكر المتاعب التي مصدرها الإنسان نفسه؛ فقد نرى ثلاثة أشخاص أو أكثر في ظروف واحدة أو متشابهة من حيث الدخل ومن حيث الوظيفة، ومن حيث الأسرة ونحو ذلك.
وأحدهم سعيد في حياته فرح مسرور مغتبط يحمد الله على ما هو فيه من خير، والثاني شقي منقبض الصدر كثير الشكوى متململ مضطرب، والثالث وسط بين هذا وذاك ليس بسعيد كالأول، ولا شقي كالثاني، يبكي ويضحك، ويحزن ويفرح، ولا فرق بينهم إلا حالتهم الشخصية.
ومن الحكايات الطريفة في ذلك أن دلوين كانا مربوطين بحبل ومعلقين في بكرة على بئر ورجل واقف على البئر يستقبل الدلو الملآن، ويفرغه في حوض ثم ينزله إلى البئر ثانية بواسطة البكرة، وفي العادة أن الدلوين يتقابلان في منتصف البئر أحدهما مملوء والآخر فارغ، فلما تقابلا سأل الدلو الفارغ الدلوَ المملوء: لماذا تبكي؟ فقال: وكيف لا أبكي، وقد ملئت ماء رائقًا وهأنذا أصعد ليفرغني الرجل ثم ينزلني إلى قاع البئر المظلم وأنت لِمَ ترقص؟
قال الدلو الفارغ: وكيف لا أرقص وأنا أنزل أمتلئ ماءً رائقًا ثم أصعد إلى الجو المضيء المشمس؟ وهكذا يعمل الدلوان عملًا واحدًا وأحدهما يبكي منه، والآخر يرقص له.
وفي الناس كثير من أمثال هذين الدلوين يعملون عملًا واحدًا وظروفهم واحدة، وبعضهم يبكي ويضحك بعضهم.
كل إنسان مهما صح جسمه، ومهما صح عقله فيه نقطة ضعف جسمي ونقطة ضعف عقلي، وليس إنسان سليم الجسم سليم العقل سلامة تامة، وكلنا نألم من هذا الضعف وهذا المرض إلى حد ما.