الصفحة 56 من 989

ومن حكايات العرب المشهورة أن حصن بن زرارة لما ضاقت المعيشة به وبقومه رحل إلى كسرى، فشكا إليه ما أصابهم من الجهد في أموالهم وفي نفوسهم، وطلب إليه أن يأذن له ولقومه أن ينزلوا في البلاد المتاخمة لفارس؛ لِخِصَبها، فقال كسرى: إن العرب فيهم غدر، فإذا أذنت لهم عاثوا في الأرض وأغاروا، فقال: أنا ضامن لهم، قال كسرى: فمن لي أن تفي أنت؟ قال: أرهنك قوسي، فلما جاء بها ضحك مَنْ حول الملك؛ لتفاهة القوس وحقارتها، ولكن كسرى كان عارفًا بالرجل وبعادات العرب فقبل منه القوس رهنًا، فما الذي حمله على قبول قوسه الحقير؟ لأنه انضم إلى رهن القوس ذمة الرجل ووعده وكلمته، وقد بَرَّ بوعده، وهذا هو الشرف؛ فالشرف في أبسط أشكاله أن يحافظ الطفل، والشاب، والرجل، والمرأة على الكلمة تصدر منهم كأنها =عِقْد+سواء في ذلك اللسان، أو التوقيع بالقلم، والفرق بينهما أن التوقيع على العقد يُلْزِمُ به القانون، والنطق بالكلمة يلزم به الشرف.

وهناك مظاهر للشرف في كل عمل يعمله الإنسان؛ فالأطفال في أعمالهم قد يَغُشُّون فلا يكون لهم شرف، وقد يكونون أمناء فلهم الشرف، والبائع قد يغش في الكيل والميزان فلا شرف له، وقد يكون أمينًا؛ فهو شريف، ورئيس الوزارة قد يحترم كلمته، ويحافظ على بلاده ويحفظ سمعتها؛ فيكون شريفًا، وقد لا يقوم بذلك؛ فلا يكون شريفًا وهكذا.

وهناك نوع آخر من الشرف، وهو حماية الضعفاء؛ فالدنيا مملوءة بالضعفاء كالفلاَّح المسكين الذي لا يجد ما يأكل، والصانع الذي حدثت له إصابة منعته من العمل، والمريض لا يجد ما يتداوى به، والأسرة مات ربها ولا عائل لها، والتلميذ النابغة لا يجد وسيلة لتعليمه وهكذا، كل هؤلاء ضعفاء، وكل هؤلاء يحتاجون إلى المعونة لسد حاجتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت