الصفحة 57 من 989

فمساعدتهم، وسد عوزهم، والأخذ بيدهم ضربٌ من ضروب الشرف؛ فشريفٌ مَنْ ينزل عن بعض ماله لمساعدة هؤلاء المنكوبين، وشرفاءُ مَنْ يؤسسون جمعيات ينفقون عليها من مالهم، وعقولهم، ونشاطهم؛ لرفع البؤس عن البائسين.

وهناك أنواع أخرى صغيرة من أنواع الشرف، إذا كان أمامك خطاب لآخر تستطيع أن تقرأه ولكن رأيت من الواجب ألا تقرأه؛ لأنك لا تملكه؛ فهذا شرف، وإذا اؤتمنت على سرٍّ فلم تبح به؛ فهذا شرف، وإذا ضغطت عليك الحوادث؛ لتسير سيرًا معوجًا لا يتناسب والخلقَ السامي فأبيت إلا أداء الواجب مهما ضحيت في سبيله فهذا شرف، وإذا كانت كلمة الحق تهددك في منصبك أو مالك فقلتها ولم تبال بالعواقب فهذا شرف.

إذًا فيجمع الشرَف كلمةٌ واحدة هي أن تحافظ على الكلمة تصدر منك، وعلى واجبك تؤديه على الرغم من كل شيء.

وللشريف مكافأتان يكافئه بها الناس ويكافئ بها نفسه، فمكافأة الناس كالأوسمة، والرتب، وبعض المناصب، والمكافآت المالية، والدرجات الجامعة، وإقامة الخطب، والهتافات إذا منحت كل هذه لرجل شريف لأداء عمل شريف.

وهناك مكافأة أهم من هذه وهي مكافأة الشريف نفسه برضا ضميره لأداء واجبه، هي راحة نفسه، وسرورها باحتمال المشقة؛ لعمل ما كان ينبغي أن يعمل، ولذة هذا الشعور تفوق كل لذة (1) .

كان الجنرال (غوردون) قائد حملة في الصين فلما انتهت مهمته كتب يقول: =إني أعلم أني سوف أترك الصين فقيرة كما دخلتها، ولكنَّ ضميري مرتاح؛ لأني استطعت أن أُنْجِيَ نحو مائة ألف نفس من الموت، وهذا عزائي+.

ولما مُنِحَ لقب الشرف على عمله قال: إن هذه الألقاب والنعوت كلها لا تساوي عندي (بنسين) ولما منحه إمبراطور الصين ميدالية ذهبية صهرها، وباعها، وتصدق بثمنها على فقراء الصين.

الطفل الشريف يأبى أن يعمل عملًا يسيء سمعته، أو فصله، أو مدرسته.

(1) وهناك أعظم من جميع هذه المكافآت، ألا وهي نيل رضا الله _عز وجل_ والفوز بالجنة (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت