فهرس الكتاب
وبينما كان آباؤنا يجربون افتتاح كنوز السعادة بمفتاح الإيمان المحمدي كان الدهر يجرب مواهبهم، ويقيس طول باعهم، ويسبر غور أخلاقهم إذا انطوت أفئدتهم على ذلك الكنز؛ فوجدهم أمة ضربت الرقم القياسي في الحكمة والحكم، وفي الفراسة والفروسية، وفي الرفق وحسن الارتفاق.
وقف الحكيم الفرنسي غوستاف لوبون يراقب بعض ما استطاع أن يراقبه من تصرفاتهم في أدوار التاريخ، فهتف بملء فيه يقول: =ما عرفت الإنسانيةُ فاتحًا أحكم ولا أعدل من العرب+.
تركوا وراءهم في آفاق الأندلس من بدائع الفن، وآيات العمران، وآثار الحضارة ما يشهد لهم بأنهم أدق الأمم حسًَّا، وألطفهم ذوقًا، وأبعدهم نظرًا، وأقلهم غطرسةً ودعوى.
تركوا وراءهم في مكتبة الإنسانية معارف في كل ضرب من ضروب الحكمة والتفكير والعلم عجزت جهالة أعدائهم من التتار والصليبيين والأسبانيين عن تبديدها في مياه دجلة، ونيران طرابلس، والقدس، ومحاكم التفتيش؛ فبقيت من بقاياها أثارة لا تزال مطابع المستشرقين في أوربا، وهمم الشرقيين في الهند وإيران وبلاد الغرب تجدُّ في نشر الألوف منها في أكثر من مائة عام، وكلُّ ما نشر منها لا يساوي قطرةً من بحر علم العرب الذي لا يزال مطويًا في مخطوطات دور الكتب الشرقية والغربية، مما عرفه الناس ومما لم يسمعوا به.
وتركوا وراءهم هداية لو تجرد الغرب من تعصبه الأعمى للكنيسة، وأخذ بهداية الإسلام لشفاه الله من كل أمراضه، ولتمتع بالسعادة التي يبحث عنها في الظلام ولا يجدها.
بل لو تجردنا نحن أحفاد العرب من جهالتنا الكسيحة، ووطَّنا النفوس على العمل بقواعدها، وعملنا على إحياء تكاليفها الاجتماعية التي لا تكون الأمة أمة إلا بها _ لظهرت حقيقة الإسلام في سيرتنا وسريرتنا، وتجلت محاسنه في أعمالنا ومعاملاتنا.
ويومئذ نكون حجة للإسلام لا عليه، ومبشرين به لا منفرين عنه، وقبل أن ينتفع الإسلام بنا ذيوعًا وانتشارًا ننتفع به نحن تقدمًا واعتلاءًا.