الصفحة 94 من 989

ولعل من أكبر أسباب هذا الفشل وعدم هذا الخلق _ خلق الرجولة _ أن الآباء لم يتعودوا عندنا أن يزجوا بأبنائهم الشبان في معترك الحياة، ويحملوهم عبء أنفسهم، بل يفتحون لهم صدورهم، وبيوتهم، وجيوبهم حتى بعد أن يتخرجوا من المدارس العالية، ويتركونهم في البيت يأكلون، ويشربون، وينامون وينعمون، وكل عملهم السعي في دواوين الحكومة لعلهم يجدون لهم =وظيفة+.

ولم يعتد الآباء فينا هذه العادة الجيدة التي اعتادها الغربيون وهي أنهم منذ تعليمهم يطلبون منهم أن يصطدموا بالحياة، ويلجؤونهم أن يجدوا لهم عملًا وأن يبحثوا لهم عن قوت، وأنهم _ وقد أعانوهم على إتمام دروسهم _ قد أنهوا الواجب عليهم؛ فوجب على الشاب أن يحمل عبء نفسه، ويتعلم أن يعوم في الحياة كما يعوم في البحر، وأن يكافح الأمواج، ويحارب الصعاب، ويبذل جهده حتى يجد قُوتَه؛ فهذا هو ما يبني الشاب حقًا، ويستخرج منه الرجولة.

أما طريقتنا التي نسير عليها فلا نتيجة لها إلا ما نشاهد من ميوعة، وتسكع على أبواب المصالح الحكومية.

وللوصول إلى هذا يجب أن يكون الشاب _ دائمًا _ باسمًا للحياة متفائلًا لا متشائمًا آملًا في النجاح؛ فاليأس يستلزم الفشل والخيبة، ويسمم الحياة كما يسمم =المكروب+ الماء.

وأخيرًا على الشاب أن يمتلئ شعورًا بأنه مكلف أن يفعل ما يستطيع لتصحيح الخطأ الذي يقع فيه الناس من جرائم وشرور؛ فلا يكون في حياته أنانيًا بحتًا لا ينظر إلا إلى نفسه، بل هو مطالب بعد أن يبني نفسه: أن يشترك في بناء أمته، وفي بناء الإنسانية عامة على قدر جهده وكفايته بخلقه وبعلمه وبماله وجاهه.

على الشباب أن يكونوا قوةً فاعلة دائمة في حياة أمتهم، ويجب أن يتحملوا في الحياة أكبر عبء؛ لأن حيويتهم في الأمة أقوى حيوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت