بل هناك ما هو أوضح من هذين الدليلين، وهو أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يحصل له الشيء وهو يظن أنه لم يره أحد، ولم يقصد إطلاع الناس عليه، ومن ذلك حديث جابر في صحيح مسلم لما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر فمال عن الطريق ليقضي حاجته فتبعه جابر يريد أن يصب عليه الماء وهو لم يشعر، ونص الحديث كما في صحيح مسلم يقول جابر:"سرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى نزلنا واديًا أفيح، فذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم ير شيئًا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: (( انقادي عليَّ بإذن الله ) )، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: (( انقادي عليَّ بإذن الله ) )، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لأم بينهما -يعني جمعهما- فقال: (( التئما علي بإذن الله ) )فالتأمتا، قال جابر:"فخرجت أحضر مخافة أن يحش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقربي فيبتعد -وقال محمد بن عباد: فيتبعد- فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة، فإذا أنا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقبلًا، وإذا الشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقف وقفة فقال برأسه هكذا -وأشار أبو إسماعيل برأسه يمينًا وشمالًا- ثم أقبل فلما انتهى إليَّ قال: (( يا جابر، هل رأيت مقامي؟ ) )قلت: نعم يا رسول الله...الحديث" [1] "
(1) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق - باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر (3012) (ج 4 / ص 2306) .