فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 104

فقول جابر:"فخرجت أُحْضِر -أي أعدو وأسعى سعيًا شديدًا- مخافة أن يحش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقربي فيبتعد، فدل ذلك على أنه إنما أسرع خشية أن يراه النبي -صلى الله عليه وسلم- فهل هذا قصد به النبي -صلى الله عليه وسلم- التحدي أو إظهار الإعجاز؟ ليس كذلك إذ لم يكن يشعر بأن جابر -رضي الله تعالى عنه- يراه."

فإذن: المعجزة لا يشترط فيها التحدي، قد تذكر على سبيل التحدي، وقد لا يراد بها ذلك، وإنما هي الأمر الخارق للعادة مما يعجز عنه البشر.

الساحر يأتي بخوارق، لكن هل يعجز عنها مثله؟ لا، بل قد يأتي شخص آخر متعلم للسحر ويفعل أكثر مما فعل، فالسحرة يعرفون طرائق بعضهم، ويستطيع الساحر أن يبطل فعل الساحر أو أن يأتي بما يضاهيه، ولهذا ظن السحرة أن ما جاء به موسى -صلى الله عليه وسلم- من السحر فجاءوا بسحرٍ عظيم لإبطال معجزة موسى -صلى الله عليه وسلم- وهذا الإشكال هو الذي جعل الأشاعرة والمتكلمين حينما اشترطوا التحدي فيها، قالوا: يلتبس السحر مع موضوع المعجزة؛ لأن السحر من الخوارق.

فالجواب: نقول: السحر لا يخرق العادة بإطلاق، وإنما يخرج عادة من لا يعرفون السحر، لكن لا يخرق عادة مثله من السحرة.

ولفظ المعجزات هذا اصطلاح ما جاء إلا في وقت متأخر، وإنما الذي في الكتاب والسنة (آيات الأنبياء) ثم بعد ذلك صار العلماء يعبرون بدلائل النبوة، وألفوا كتب في دلائل النبوة، مثل كتاب أبي نعيم وغيره، يقال: آيات الأنبياء، وبعد ذلك قالوا: دلائل النبوة، وما عرف استعمال لفظ المعجزة إلا في وقت متأخر، يمكن أن يقال: في أوائل القرن الرابع الهجري على يد بعض المتكلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت