وأقصد بهذا أنهم تفنّنوا وتمهّروا في هذه الأشياء، بل هناك أشياء أظن أن أصحاب الإعجاز العددي لو رأوها لقالوا: هذا من الإعجاز، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ} [ (33) سورة الأنبياء] اقرأها بالمقلوب تجدها نفس الشيء، فهذه ذكرها العلماء المتقدمون من باب الملح، ولم يقولوا: هذا إعجاز، ولو رآها أصحاب الإعجاز العددي سيقولون: هذه قمة الإعجاز مع أنه ليس فيها إعجاز.
من الأشياء التي أريد أن أذكرها في هذه المقدمة أن القرآن كما أشرت أنزل على سبعة أحرف، فهذه الأحرف يحصل فيها كلمة مكان كلمة، وحرف مكان حرف، وأيضًا يحصل فيها أحيانًا زيادة حرف، كـ {تَجْرِي تَحْتَهَا} [ (100) سورة التوبة] {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} ، وما إلى ذلك من وجوه التغاير، ففيه سبعة أوجه من وجوه التغاير.
الرسم العثماني الذي يبني عليه أصحاب العدد دعوى الإعجاز ليس بتوقيفي، وليس له قاعدة مطردة، فلاحظ كيف تكتب الكلمة الواحدة أحيانًا بالتاء المفتوحة، وأحيانًا بالتاء المربوطة.
(بئس ما) أحيانًا تجعل على كلمتين، وأحيانًا كلمة واحدة، و (إنما) أحيانًا تجعل كلمتين، وأحيانًا كلمة واحدة، فالرسم العثماني ليس بتوقيفي، وإنما هو شيء اصطلح عليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في زمن عثمان، وباقي مصاحف الصحابة لم تكن مكتوبة على الرسم العثماني، فنحن نلتزم بالرسم العثماني؛ لئلا يدخل باب العبث والتبديل في القرآن؛ لأن قواعد الإملاء تتغير من عصر إلى عصر ومن مصرٍ إلى آخر، فنقول: لا يجوز طباعة المصاحف على الرسم الإملائي الحديث، لا على أنه توقيفي وإنما من باب سد الذريعة لحفظ القرآن.
هؤلاء يبنون على الرسم العثماني أشياء غريبة، فلو لاحظت الرسم العثماني في (الزكاة) فإنها تكتب أحيانًا بالواو، كذلك الربا تكتب أحيانًا بالواو وأحيانًا بالألف، فهم يبنون على ذلك عد الحروف.