[أبو الغادية]
جميلُ الخُلُقِ والخِلْقَة، طيّبُ الصُّحْبة والعِشْرَة، ذكيٌّ زكيٌّ نَحْسَبُه، متواضعٌ في غير ذِلَّة، ليِّنٌ إلاّ في دِيْنِه، صَلْبٌ إلاّ معَ إخوانِه، خَدُوْمٌ مِنْ غير أَنْفَه، كان صاحِبُ سِرّ أسدُ الرّافديْن الأمين، وأوّل أصحابه المُقْدِمِين الأقْدَمِين"تقبلهما الله وغفر لهما".
من بلادِ الشّام من سوريا الحبيبة، طبيبُ أسنانٍ ماهر، هاجرَ إلى الله إبانَ فترة الدّولة الإسْلاميّة في أفغانستان، وهناك تعلَّمَ أوّل دروس العسكريّة، وتفجَّرَت في نفسِهِ ينابيعُ العبقريّة الإداريّة، فقد كانَ يعشق النِّظامَ والتّرتيب، يكره العشوائيّة والهمجيّة، يؤلِمُهُ كلّ شيءٍ في غير موضِعِه ولو كانَ كأس ماء، وكأنّ ذلك منبثق من طبيعة عمله كطبيب، لحقَ بركبِ أبي مصعب"تقبّلهُ الله وغفرَ له"مبكّرًا واتّفقا على إحياءِ الجهادِ في بلادِ الشّام، وبدأ معهُ يرتّب أوّل لبنات البناء فكان معسكر هيرات، والتي ما تركَهَا إلا بعد الهجوم الرافضيّ عليها مستخدمين كلبهم"اسماعيل خان"وذلك إبان الهجمة التّتريّة الأمريكيّة على الإمارة الإسلاميّة الحبيبة.
وفي آخرِ لقطاتِ حياته في تلكَ المديْنة كنتُ أراهُ أمام عيني"أبا الغادية"مُحَاصرًا مع مجموعةٍ من رفاقِهِ في بيْتٍ بقلبِ هيرات بالقُرْب من الجامع الكبيْر، وكأنّي الآن أسمعُ الحبيبَ وهو يتّصل بجهازه اللا سلكي ويُخبر أميره أبا مصعب أنَّ مجموعةً من المرتزقة أحاطوا بمنزلِهم وطلبوا منهم الاستسلام، فيجيبُهُ القائد لا تفعلْ وسوف آتي لفكِّ الحصار مع الإخوة الطَّلَبة.
وبدأَ الحصار يشتدُّ ويتضايقُ الإخوة أشدّ الضّيق، وينشرُ أبو الغادية إخوانه في مواقع قتاليّة من السَّطْح وبالقرب من النّوافذ، وفجأةً تنهالُ عليهم الإطلاقات والرّمّانات اليدويّة من كلّ مكانٍ ويستبسل الإخوة في الدّفاعِ والقتالِ، وبعد يَاسٍ