مُعَلِّمُ الفُرْسَانِ
غايةٌ في الأخلاقِ وعَلَمٌ في الجهادِ، فهوَ مِنْ أجملِ النَّاسِ خُلُقًَا، وأَنداهُم صوتًا، وأشجعُهُم قلبًا، وأقواهُم شكيمةً، وأحسنُهم فراسةً، وأوسعُهُم صَدْرًَا، وأجودُهُم يدًا، وأحلمُهم طَبْعًَا.
صاحبُ الهمَّةِ العاليةِ، والنفسِ الأبَيَّةِ، مُسَدَّدُ القولِ والعملِ الطَّيبِ المحبوبِ، لا يُعْجِبُكَ شيءٌ مِنْ أمورِ الدِّينِ والدُّنيا إلا وهو فِيهِ رأسٌ، - فلا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ -، ذلكَ هو الأخُ الحبيبُ"أبو جعفرٍ المقدسيُّ".
والعالمُ لا يُعلَّمُ، والعارِفُ لا يُعرَّفُ، فمن عجائبِ الأمورِ أنْ يتَحدّثَ النَّكرةُ عن المعارفُ، وأنْ ينبريَ لوصفِ قممِ الجبالِ قيعانُ الأرضِ، وأنى لها هذا وهي تسمعُ بالشِّموخِ سَمعًا، فلا هي يومًا صعدتْ إليهِ وحاشا للقممِ أنْ تهبطَ أو تهوي.
ما ظننتُ يومًا - أيُّها الأحبةُ - أنَّي سَأَتَكَلَمُ عن هذا الأسدِ، أو أنَّي سأَصِفُهُ قطٌ، غيرَ أَنَّ جميلَ سِتْرِ اللهِ يفيضُ عليَّ، فَلَو أَنَّ للذّنُوبِ رائحة لزكمتِ الأنوفَ، فيا ربّ ستركَ وجميلَ عفوك.
أقولُ كنتُ دائمًا وأبدًا مقتنعٌ أنّي لن أودّع هذا الرّجل إنما هو من يودّعني، أولُ يومٍ رأيتُ هذا الأسدَ، كان في مخيِّم عينِ الحلوةِ بجنوبِ لبنانَ حيثُ أتى مع صديقٍ لنا، ولمْ يتكلمْ تقريبًا، فرأيتُ صمتًا لَطالما حلمتُ أنَّ يكونَ خُلقي، ولما تكلَّمَ تحدرتْ مِنْهُ همومُ أُمةٍ تُشْعِرُ بأنَّ بركانًا يوشكُ أنْ ينفجرَ، وكان ساعتها يطلبُ طريقًا إلى أفغانستانَ غيرَ أنَّ اللهَ لمْ ييسرْ لهُ ذلكَ، فعادَ الرّجل إلى مكانهِ.
ومرتِ الأيامُ وتقلّبتُ بعدها في البلدانِ، وبعد حادثةِ الفلوجةِ الأولى وبينما أنا في زيارةٍ للشهداءِ - أعني حيَّ الشُّهداءِ - فإِذا بشابٍ جسيمٍ وسيمٍ يُقبِلُ عليََّ متهللًا والبسمةُ ملئَ وجهِهِ يحضنُنِي ويُقْبِّلُنِي، ثُمَّ ذكَّرَنِي بنفسهِ وعلى الفورِ تذكرتُهُ، وأقبلَ علينا الأخُ الحبيبُ والأريبُ"أبو محمد اللبنانيُّ رَحِمَهُ اللهُ"قائلًا: أتعرفانِ بعضًا؟ قلنا: نعم،