و على العكس بدا الصديق لنا مخذلًا والمحب مبسطًا إلى حد كبير جدًا، حتى قال أحد أمراء هذه الجيوش الإسلامية للشيخ"أبي الليث"عندما سمعوا خبر بدء معركة الفلوجة الثانية حيث رآه الشيخ أبو الليث غير آبه ولا مهتم يضحك وينشد، قال:"كأن الفلوجة لم تبدأ بها الإبادة أو ما تسمع"، فكان الرد كالصاعقة والحقد كالسم، قال:"اسمع يا أخي، الفلوجة انتصرت مشكلة، وانهزمت مشكلة"، فقال له أبو الليث:"انتصرت مشكلة، والله لا أجلس معك في بيت ولا يظلنا سقف واحد، ووجهي من وجهك حرام، يا أيها الشيخ السلفي"، وخرج من بيته الساعة الحادية عشر ليلًا.
و هذا حال أمراء الحرب المزعومين ولك أن تعرف أحوال عامة الأمة.
واتخذ أبناء"قاعدة الجهاد"قرارهم النهائي أن"نموت شرفاء خير من أن نعيش أذلاء"ولا نكسر قلوب أمتنا في أبنائهم وحبذا الموت دفاعًا عن الدِّيْن وحمى العقيدة ولتكن الحرب فلها فرسانها نصرًا أو شهادة.
و كالعادة تمّ تأمير الشيخ أبي عزام أميرًا عامًا على الفلوجة وقائدًا للمهاجرين والأنصار.
و بدأت الحرب، ونزل معها البلاء كالسيل الجارف ولاحت فتنٌ كقطع الليل المظلم وبدأ الحصار يشتد على فرسان الجهاد فقُطِعَت المياه ونَفِدَ الطعام وقُصِفَت المستشفيات، وبدأت الدماء تسير أنهارًا ودموعنا تسيل معها دماءً، وبدأ الفرسان يرحلون عنا الواحد تلو الآخر.
وبدأ منظر الجرحى يقطع الأكباد، فلا دواء ولا ماء ولا أطباء ولا شيء على الإطلاق.
أذكر أن أحد الأحباب أقدم شاكيَ السلاح على عدوه فرجع بطلقة في رأسه واحتضنته وبدأ ينزف بين يدي ساعتين يشتكي إلى الله ظلم أمة وخذلان الصديق، ودموعه تختلط بدمائه وآهاته تُبْكي الكفور، ولا يجدي بكائي له شيئًا حتى مات بين يدي شاهدًا على ظلم الأمة وخذلان بني الجلدة، وإلى الله المشتكى.
فلم يهن أبي عزام ولم يلن بل بدأ صلبًا جلدًا على الرغم من رقّة قلبه المعروفة وحبّه المفرط لإخوانه وكان يقول"الموت في سبيل الله غاية".