بسم الله الرحمن الرحيم
(أبو خالد السوري)
هادئٌ أديبٌ، وقورٌ حصيف، إذا علِمَ عمِل، سمّاع مِطْواع، رحمه الله أبا خالدٍ الفلسطينيّ، نعم فلسطينيٌ فهو من سُكان مخيمِ حطّين بدمشق من أصلٍ فلسطيني، لكنه وكأبناء جيلِه وُلِدوا في الشّتات وعاشوا على حُلم العِزّة والتّحرير، لكن أبا خالد كان من أولئك النّفرِ القليل الذين تربّوا على منهج السّلف، وعلى سّنة رسول الله عقيدةً ومنهجًا.
أقْبلَ أبو خالد مع ذلك الرّكب المَيمون، ركْبِ أبي خبّاب، ومع الفارسِ المقدامِ والبطل الصّنديد، والمُقاتل المجرّب أبي حسن؛ ومع أنّ أبا حسن أكبرُ سنًا من أبي خالد، إلاّ أنّه حسنةٌ من حسناته، فلمّا استُشْهد أبو خالد، رأيتُ أبا حسن كأنّه فَقدَ الدّنيا وما عليها، كان أستاذهُ وشيخُه وصديقُه، وموضِعُ سرّه ونصحِه، ولذا سكبَ عليه الدّموع، وغمَسَ نفسه في العدوّ مرارًا، رجاءَ أن يلحق بصاحِبه لكن حِكمة الله غالبة.
جاءَ أبو خالد وجلَس في بيت الشّهيد أبي عمر، وأقْبل على إخوانه نصحًا وإرشادًا، ثم أخذَ دورةً مقتضبةً في المتفجرات والتّشريك، وكان أبو خالد قَدِم لعملٍ إداريّ ما، لكنّه فاتحني برغبتِه الشّديدة في عملٍ استشهاديّ، وذلك بعدما استقرَّ في قلبه وعقْله أنَّ النّكاية به كبيرة، وأنَّ الميدان يُثْبت أنّها الصّوت المسموع الذي يصمُّ آذان العدوّ، فلا يستطيعونَ لها كِتمانًا، ولا لأثارها محوًا، لكنّ أبا خالد حمّلني حِملًا تنوءُ الجبال بحَمْله، قال:"أنا أضَعُ هذا الأمر في رقَبتك، بحيث يكونُ الهدفُ فيه نكايةٌ للعدوّ، لا يمكنُ تنفيذها بغير ذلك".
ومضى أبو خالد يُعدّ الرّاحلة ويتجهّز للسّفر، أقْبلَ على ربّه وتغيّرت ملامِحُ الرّجُل، فصار وجهُه يُضيء كأنّه قِطْعة قَمر أو بريق فِضّة، وعينيه تُشعُّ بريقًا دافئًا وضياءًا، تُقسِم لو رأيته أنّ للرّجل سرًا مع ربّه أو عبادةً خاصة، أو أنَه يُقبِلُ على أمرٍ هيّأه له مَولاه، وكيف لا والرّجُل جعل أنيسَهُ وجليسهُ كتابَ الله، يناجي مولاه، يطلُب منه التّوفيق والسّداد، ويرجو منهُ الثّبات عند اللّقاء.