فجئت إليه أقول"مالَكَ فضَحْتنا"فقال:"الأخُ أمامك ذاهبٌ الى المركز اُنْظر"، فوجدتُ أبا خالد انطلق نحو المركز بهدوئه المُعتاد، وكأنّه في نزهةٍ مع أهله وأولاده، فلمّا رآني أمام المركز ذهَبَ ودارَ دورةً كبيرة ثم عاد إليه، وكنتُ قد رأيته متجهًا نحو الباب بادئ الأمر، فلمّا ذهبْتُ بعيدًا لم أسمع الصّوت، فأصابني همٌ وغمٌ كبيرين لا يعلمُ بهما إلاّ الله، وكان يقودُ السّيارة، الفارسُ المجهول والبطلُ الصّنديد سابقُ الذّكر، فخشِينا، أن تكونَ السّيارة لم تنفجر، أو أنَّ الأخ قُتِل قبل التنفيذ أو قُبِضَ عليه أو ...
فقلت للأخِ"ارجِع إلى المركز"؛ فقال: انتظر"شويّة" [1] ، ومن فرطِ توتري قلتُ:"ارجع وليكُنْ ما يكون، وحتّى نتدارك الأمر، فالأخُ يعرِفُ عدّة بُيوت لا بُدَّ من إخلائها إذا حصل مكروه، وبينما نحن في الطّريق إلى المركز، رأيْتُ كلّ شيءٍ حولي يرقُص إثْر انفجارٍ ضخم هزَّ وانتزع كلّ ما حولَه، فجَعل تلك السّاحة المشؤومة بمن فيها كأنها تنّور أو كأنها فوهة بركان."
وعلِمْت من مصادرنا الخاصّة بعد ذلك، أنّ عدد القتلى من الشّرطة بلغ مائةً وستين قتيلًا غير الجرحى، ولم يُصَبْ أحدٌ من المدنيين، لأنَّ الأخ بارك الله فيه فجَّر سيارته داخل الساحة تمامًا في وسَطِهم، وعلى الرّغم أنَّ الحراسة أمطرتْه بوابلٍ من الرّصاص، إلاّ أنها كانت عليه بردًا وسلامًا، فتابَع سيْره ونفّذَ هدفه، فرَحْمة الله على أبي خالد، وأسألُ الله أن يجمعنا به في جنّة صدْقٍ عند مليكٍ مُقتدر، وأسألُ الله أن يخلُفَه خيرًا في زوجته وأولاده الثّلاثة، فالله لا يُضيّع أبدًا أهل الشّهيد وهذا مُلامَسٌ ومجرّب، ومؤكد فهُم بعدَه في الغالب أحسَنُ حالًا في الدّنيا من أيام عائِلِهم، فما ظنّك بربٍّ ضحّى لدينه مولاه.
وكان الشّهيد قد تَرك معي رسالة لأهلِه، وأوصاني أن تكتُبَ أهلي أيضًا رسالة لزوجته تذكّرها فيه بالله، وأنّ الله لن يضيّعها، وأنّ مقاليدَ العباد بيده، قائلًا:"زوجتي صاحِبة فضْلٍ ودينْ، لكنّ الزّوج له مكانٌ، وقدْ كان لى عنْدها مكانةٌ أخافُ على دينها أن تقولَ"
(1) (في اللّهجة العراقية تعني: قليلا.