فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 257

بسم الله الرحمن الرحيم

(أبو فارس الأنصاري)

هو القائد الهُمام والبطلُ المِقدام، الجريءُ الشّجاع، رجلُ المواقف الصّعبة والبطولات النّادرة، أعني أبا فارس (عبد الستّير محمّد فرَّاس) ، من جزيرةِ الرّمادي من البوعبيد، والكلامُ عن هذا الجبَل يطولُ ذِكرُه مع أنّه يصعُب وصفُه، لكنّي مع أبي فارسٍ ازددْتُ يقينًا أنَّ السّبْق سبْقُ صِفة، لا سبْقُ زمان، فأبو فارسٍ مهْنتهُ قبل الالتزام نقيبٌ بالاستخبارات، إستقامَ بعد سُقوط نظام الطّاغوت صدّام، وحقًا صَدَق فيه قولُ النّبي - صلى الله عليه وسلم - (خياركُم في الجاهليةِ خياركُم في الإسلام، إذا فَقِهوا) ، عرفَ أبو فارس التّوحيد وشرِبهُ وتعلَّم دُروسه في ساحة: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ففهِم الدّرس ووَعاهُ، وبدأ يُطبّق حُروفه ومعانيه، ثمَّ استقامَ مع قول الله تعالى {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} .

ورأيتُ أبا فارس أوّل ما رأيتُه في بيتهِ بالجَزيرة، لأوّل وهلةٍ ظننْتُ أنّه فلاّحٌ ليس لهُ حظٌّ من الدّراسة والتّعليم، إنْ جلَس النّاس على الأريكةِ جلَسَ على الأرض، خادِمُ القوم إذا أكلوا، رأيتُه يسْعى بين يَدَي إخوانه وفي خِدْمتهم، وكأنّه مَوْلى لهم، هذا وكنت أظنُ أنّه كبيرٌ في السّن نظرًا لصلَعٍ أكَل مُقدّمة شعرِ رأسه، فلمّا سألْته عن سِنّه، قال إنّه مواليد عام 1970، ثمَّ علِمْت من أخيه الشّجاع الجريء سعد، أنَّ أخاهُ الأكْبر أبا فارس كان نَقيبًا بالاستخبارات، فقلت: سُبحان الله، والله كأنَّ هذا الرّجل لم يُدرك جاهليةً قطّ، يا سُبحان الله! هلْ هذا كانَ في الاستخبارات؟ ومنْ أربعةِ أشهُرٍ التَزَمْ، سُبحان الله فهوَ يقسّم الأخلاقَ كما يُقسّم الأرزاق، وأشْهدُ أنَّ أبا فارس كان غنيًا، ثمَّ رأيتُ أبا فارسَ الشّجاع الجريء والقائدَ الذي لا يُشقّ له غُبار، حيثُ كان يقولُ عنه أحدُ إخوانه: أبو فارسَ تخافُ الطّلقةُ ولا يخافُ.

أشْرَف الشّهيد القائدُ بنفسه على كثيرٍ من العملياتِ الهجوميّة، ويرْجِع الفضْلُ لله ثمّ لرجالٍ من أمثالِ أبي فارس في تحويلِ مَسارِ الجهاد في العراق، حيث عَطَف به عطْفة ولَوى عنُقه إلى حيث لا توقّف ولا نهايةَ في العراق وغيره، فكان أبو فارس قائدًا ومُخطّطًا لأهمّ عمليّة غيّرت مجرى الجهادِ في العراق عامّةً وفي الفلّوجةِ خاصّة، حيثُ إنّه كان المُخطِّط والقائدَ لعمليّة اقْتحام الفلّوجة الأولى، والتي تُسمّى هنا عمليّة مُديريّة الأمْن والقائمّقامية، حيثُ تمَّ سدُّ منافذِ الفلّوجة واقتحَم مع إخوانه مديريّة الأمن، وقال لي إنه عند اقتحامِها وعلى مدْخلها وجَدَ ضابط شُرطة من فرْطِ خوفِه وجُبْنه نائمٌ على الأرض يبكي ويصرُخُ قبل أن يُطلق عليهِ رصاصَة واحدةً في رأسه، وليسَ المقامُ مَقام وصْف هذه العمليّة، لكن المقصودُ هنا أنَّ هذه العمليّة جرَّأت الإخوةُ على احتلال المُدن، وكانتْ تجربةً مهمّة في اختبار الذّاتِ ومعرفةِ مواضع الخلل والتّقصير، كما أنها أدَّبت جِهاز الشّرطة بالفلّوجة، بحيث أنّه أصْبح يؤرَّخ لها؛ يقولُ النّاس: هذا العملُ قبْل أحداثِ الشّرطة وهذا بعْدَه، حتى إنَّ مجْلس الأمن الأمريكي اجْتمع ليدرُس آثارَ هذه المعركة ونتائجَها، وللعلْم فقدْ أُصيب بَطلُنا في هذه العملية بطلقةٍ في فَخِذه، ما جلس لها يومًا واحدًا على فِراشه، فكنْتُ أراه يسعى في خدمة إخوانه ويجرّ رِجْله، فأقول: استرِح يا أبا فارس، فيقول:"هي بسيطة وأنا مو تعبان".

ثمَّ شارك البطلُ؛ أقصِدُ قادَ البطل عدّة عملياتٍ بعْدَها، وأذكُر أنّه كان في عمليّة فِنْدق شاهين، وكانت السّيارة المُفخخة سيّارةَ إسعاف، وكان هو الذي يقودُها بعد تفْخِيخها إلى منطقة الهَدف، ولعدة مراتٍ يذهبُ بها ويرجِع، ولم ألْحَظ عليه أبدًا أدْنى ارتباكٍ أو خوف، وأذْكرُ أنّه في إحدى المرّات حَدَث اختناقٌ مروريّ، فما كان مِن البطل إلاّ أن شغّل بوقَ الإسعاف وفتَح لنفسه الطّريق، وهو يضحكُ رحمه الله.

عمليةُ فنْدق شاهين، تلك العمليّة الجريئة الموفّقة، والّتي حَصَدت العشراتَ مِنْ ضُباط ومحقّقي الاستخبارات الأمريكيّة، وجاءَ على رأسهِم المسؤولُ عن استخبارات الشّرق الأوسط، ولكنْ كالعادة أُحيطت نتائجُ العمليّة بالتّكتيم. ثمَّ قادَ البطلُ مجموعةً من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت