فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 257

المهاجرينَ والأنْصار، واختارَ لهم مكانًا في الصّحراء جيّدُ التّمويه، وأذكُرُ أنّي جلَسْت مع هذه المجموعة أسبوعينِ في الصّحراء، فوالله لم أرَ قطّ أشْجع ولا أكثر أُلفة ومحبّة وترابطًا منهم.

رأيتُ بعيني حِرصَ القائدِ أبي فارس على إخوانه، حيثُ شارَكْتُ معه مرةً في غزوةٍ لقَطْع الطّريق السّريع على دورية، حيثُ كانت هذه مهمَّتهم، قطعُ السّريع وإصابَتِه بالشّلل، والسَّريع أقْصدُ به الطّريق السّريع الذي يربُط بغدادَ بالحُدود السّورية والأردنيّة.

فرأيتُ الرَجُل يذهبُ بنفسِه أولًا، يستطْلِع ويحدّدُ المكان الأنْسَب للكمين، ويرْسُم بدقّة ويعْلَم مكان كلّ مجموعةٍ وأميرهم، وخطّةِ هُجومهم وانْسِحابهم، وطريقَةَ الاتّصال بين المجموعة، وشَفْرة الهُجوم، وإذْن الانْسحاب وترتيبِ السّلاح منْ حيثُ بدأ الإطلاقُ، ولونَ الملابسِ والأحذية المُستعملة، وحتّى تمويهَ السّيارات، ابتداءً بلونِها وانتهاءً بإزالةِ الأضْواء الدّاخلية والخلْفية، وحيث أنَّ العمليّة كانت ليلًا ولم ينسَ أبو فارس علامات الطّريق والدّليل والمسافة بينَ كلّ فردٍ وآخر، وبين كلّ مجموعة وأخرى وإلى غير ذلك؛ ما يدلُّ على ذكائه وخبْرته وحُسْن ترتيبه، وقد كان كذلك.

ثمَّ تطوّرت أحداثُ الفلّوجة، واتّخَذ الإخوة قرارًا بمنْع دُخول الأمريكانِ إلى الفلّوجة، وذلك بعد عمليّة تغيير القُوّات في منْطَقة الأنبار، واستبدالِهم بقوّات"المارينز". وصدَرت الأوامر إلى المجموعاتِ، ومنْ ضمنهم مجموعة أبي فارس، بمُغادرة الصّحراء والمجيء إلى المدينةِ والبَدْء مع إخوانهم في حراسةِ المدينة ليلًا والكمينِ نهارًا، وظلَّ هذا الوَضْع هكذا حتى حدَثت العمليّة التي هزّت العالم، عمليةُ مقْتل ضبّاط التّخطيط الأمْريكي الأرْبعة، والمسمّين زورًا بالمقاولين. ورأيْتُ بعيني كيف يجُرّهم حمارٌ في شوارِع الفلّوجة، ذلك بعد أن عُلّقوا في إشارةٍ ذكيّة على الجِسْر الحديديّ، والذي بناهُ الإنكليز وهو أهَمْ وأقدم معالم المدينة.

وأذْكرُ يومها أنّي كنتُ جالسًا في إحدى المحلاّت بالصّناعة، فرأيت البَطَل الشّهيد الحاج ثامر ـ سابِقِ الذّكر ـ يدخلُ عليّ والبسمةُ تملأُ وجْهه والفرْحة تعبّر عن نفسها، ثمّ قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت