بسم الله الرحمن الرحيم
"كراج"الشهداء
-الجمعة 27 ربيع الآخر 1424 -
الحمدُ لله على كلّ حال، فلا يُحمَد على مكروهٍ سواه، فقدْ يأتي الخيرُ مِن جِهة المكروه، وقد يهبِطُ الشّر معَ عيْن المحبوب، {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ، أكتُبُ هذه الكلماتْ وقدْ عُدت لتوّي من كراجِ الشّهداء، كما سمّاه لي أبو مُصعبٍ المُهاجر، وبعْدَما لاحَ الصّباح وتكشّفت معه جريمةُ المُحتلّ، أكتُب وبينَ يديّ ملابسُ الأبْطال الشّهداء المُمزّقة، وقدْ اختلَطَ كثيرٌ منها بالدّماء، فهاهيَ سوداءُ في بيضاءٍ (شماغ) ، قدْ رُسِمت عليه بُقعٌ من الدّماء كأنّها زهورٌ في أرضٍ جرْداء. وها هوَ قميصٌ أبْيضُ علَتْه بُقْعةٌ حمْراءُ، بُقْعة دمٍ طاهرٍ مِنْ شهيدٍ، وبنطلون وغياراتٍ داخليّة وأحذية ...
جمعْتُ هذه الملابسَ حتى أغسِلَها وأُعيدَها إلى بقيّة المُرابطين كي يَنْتفعوا بها، والحقّ أنّ نَفْسي تُراودني أن أدَعْها ذكرى"كراج"الشّهداء، ولكي أنْظُر إلى هذهِ الكومة منَ الملابس كلّما قَسا قَلْبي، أو لانَتْ عزيمتي، المُهم إنّني لمْ أحْزِم أمْري بعْد.
أكتُبُ هذه الكلِمات، ومنظرُ تَطايُر"الكراج"، أحْجارُه؛ حديدُه؛ حيطانُه وسقْفُه أمامَ عينيّ، منظرٌ مُريعٌ ومُهيب، ففي وسَطِ هذا الرّكام أشارَ إليّ أبو ناصر البَطَل قائلًا: هُنا كان أبو مُصعبَ الشّهيد، وبِجواره هذا الجُزْء من الحائِط، سَقَط على رِجْل أبي تُراب، لكنّ الله سلَّم، وخرج أبو تراب بخير؛ أميرُ المجموعةِ المُرابِطَة حِذاءَ العدوّ.
وأصْلُ الحادثةِ، أنّه في حوالي السّاعة السّابعة مساءً جاءَ رتْلٌ أمريكيّ مُسْرعًا، وتقدّم جِهة نُقطةِ النُّعيميّة حيثُ توجد للإخوةِ نُقطةُ تفتيشٍ هناك، ثمّ صَبّوا جامَ غَضبِهم على مكان