السّيطرة، ولكنّ اللهَ سلّم، ولمَ يُصَب أحد، وانْتَشر الإخوة حِذاء العدوّ، واستعدّوا لصدّه ودحْرِه، كما دَحَروه من نفسِ المكان بالأمس.
وبَدأ الإخوةُ ينْتَشرون في جميع أنحاءِ المدينة، ويأخُذُون استعدادَهم، وعلى راسِ مَنْ أخَذَ استعداده؛ مجموعةُ الصّناعة، وهيَ بإمرَة القائد عبدِ العزيز مِن بلادِ الحَرمين، حيثُ تكفّلَت هذه المجموعة البَطَلة بحماية أهمّ ثُغور المدينة وأخطَرِها من الجهة الشّرقية، حيثُ يبْعُد مكان الإخوة عن العدوّ حوالي مائةٍ وخمسينَ مِترًا تقريبًا، وواضحٌ من كثرةِ الاشتباكِ مع العدو أنّه كان مرصودًا تمامًا منْ قِبَل الأمريكان، فلا يوجَدُ خِرم إبرةٍ فيه آمن، والموتُ يُلحّ على كلّ فردٍ فيها صباحَ مساء، فاليوم أبو زَرْعةَ جريحٌ، وبالأمْس أبو محمّد شهيدٌ، وهكذا دَواليْكَ منْذ تحمُّل الأبطال هذا العِبءِ، هذا والعدوّ يقصِفُ المكان بصُورةٍ مُستمرّة ومتقطّعة، وفي بعضِ الأيام يجْعلُ المكانَ كلّه كأنّه جمرةٌ مُلْتهبةٌ تتطايرُ فيه الشّظايا في كلّ مكان.
منْذُ مدّة حكى لي أبو عُبيدة اللّيبي يقولُ لي: بينَما القَصْف يأتينا من كلّ مكانْ، وصواريخُ الطّائرات الحرْبيّة والقاذِفة"سي130"تُدمّر كلّ شيْء حوْلَنا، جريْتُ أنا وبعضُ الإخوة واختبأنا بجوارِ حائطٍ، فإذا بِصاروخٍ ضَخْم ينْزل في البيْت الذي احتَمينا بجِواره، حتّى إنّ صوْتَه كادَ يخْلَع قُلوبَنا، هذا بالطّبع بعدَ أنْ أصَمّ آذاننا.
قال: وفي لحْظة الانفِجار طارَ الحائِطُ الذي اختبأنا بجانِبه، قال: كأنّه شريطٌ تلفزيونيّ، عَلانا الحائطُ حتى إذا تَشَهّدْنا واستَعدّ كلّ واحدٍ منّا للموْت، إذا بالحائطِ ينْزِلُ بَعْدنا، ولمْ يُصَبْ أحدٌ منّا بخَدْشٍ واحِد.
وفي نَفْس اليوْم حدّثَني أبو ناصر، قالْ: وبَيْنَما كُنْت أُصلّي وأحَدُ الإخوة الأبطال، إذا بقذيفةِ دبّابة تُدوّي جانِبَنا، فاختَرقَتْ شظيّة مُلتهبةٌ يدَ صاحبي، وخَرَجت من الجهة الأُخرى، وقدْ رأيتُ أنا الأخ بعْدَ رُبع ساعةٍ منَ الحادِثة يُضمّد جُرْحه ببيْت الجرحى، وهو يقوْل:"بسرعة ..."؛ فما أنْ أنْهى الأخُ تَضميدَه حتى حَمل سِلاحه وعاد إلى أرضِ المعركة.
وحادثةٌ أُخرى يحكيها ليَ أبو ناصر، وأراني مكانها، وهذا قبْل يومٍ واحدٍ مِنْ حادث"كراج"الشّهداء، يقول:"بيْنَما نحنُ نصلّي المغرِب أمامَ هذا المنْزل، ومجموعةُ"فلان"في هذا المنْزل"، وأشارَ لي لِعدّة منازل تحيطُ بساحةٍ صغيرة. قال:"بينما نحنُ نُصلّي إذ بصاروخٍ موجّه ضَخْم يُدوّي في المِنطقة، حتى كادَت تنْفجرُ طبَلة أُذني. فذَهبْتُ ورأيتُ المكان، مكانَ الانْفِجار، والله يا إخواني لا يُصَدّق أنّ انفجارًا كهذا ينْجو مِنْه أحدٌ على بُعْد كيلومترات، فضلًا عنْ أنْ يكونَ على بُعْد أمْتار. رأيتُ حُفْرة عميقةً بقُطْر عَشْرة أمتار، وعمُق ثلاثةِ أمتار، قدْ خَرَج مِنْها الماء، وكانَ الصّاروخ سَقَط في وسط مجموعةٍ مِنَ الأشْجار، فرأيتُ نَخْلة قدْ رماها الانْفجارُ بعيدًا، كأنّما خُلِعَت من أُصولها بِعنايةٍ فائقة، ورأيْتُ أبْعدَ مِنْها شجرةَ كافورٍ قد اجتُثَّت مِنْ أُصولها، هذا ولمْ يُصَب أحدٌ بأذى".
وفي ليلةِ كراجِ الشّهداء، وبَعْد المَغْرب بِساعة، مَرّ عليّ القائِدُ الشّيخُ أبو مُصْعب، فوجَدَني مُتأهّبًا للخُروج، فقال:"عندَكَ شيء؟"قُلْت له:"إلاّ أنْ أذْهَب مع الإخوة، فذَهبْنا جِهَة سيْطرة النُّعيميّة، واقْتَربْنا حتى كنّا على بُعد مائتي مِترٍ منَ الأمريكان، فقُلْت له: الآن يضْرِبوننا، نَدْخل من أمامِهم إلى هذا الشّارع أحسَنْ، فنحْنُ على مرْمى حجَرٍ مِنْهم"، وبالفِعْل دَخلْنا، وبينَما نحْنُ ننْتَقل من مكانٍ إلى آخر، رأيْنا لهبًا ضَخْمًا أضاءَ المدينةَ كلّها، ثمّ سمِعْنا صوْتًا مُدوّيًا يأتي مِنْ جِهَة الصّناعة، وفيْ نفْس اللّحظة سمِعْنا صوْتَ طائرةٍ حرْبيّة في سماءِ المدينة، فعرِفْنا أنّه قصْفُ طائرة، فاتّجَهْنا للْمَكان حيثُ قابَلَنا أحدُ الأبْطال، وأخْبرَنا أنّ الصنّاعة قُصِفَت بالفِعل، وقُصِف أحدُ مقرّات الإخوة، فقُلنا: إنّا لله وإنّا إليه راجِعون، ووجّه القائِدُ الإخوة لإنقاذِ إخوانِهِم، وتمّ إرسالُ رافعةٍ لإنقاذهِمْ مِنْ تَحت الأنْقاض، واتّجه الإخوة مِنْ كلّ مكان لمُساعدةِ إخوانهم في رَفْع الأنْقاض.
وحَكى أبُو ذَرّ الفِلسطينيّ، وهو كانَ مِنْ نفسِ المجموعةِ المُرابِطة في المكانْ، قال:"جاءَ صاروخٌ فسَقَط في هذا المصْنع"، وأشارَ إلى مصنعٍ أمامَ"الكراج"فأحْرَقه وسَقطَ بجانب السّاتر التّرابي صاروخٌ آخرُ، ثمّ جاءَ إطلاقُ نارٍ كثيف.