وفي تِلْك الأثْناء كانَ الإخوةُ مُنْتشرين، ولكِنْ بالسّلاح الخَفيف، فقال قائدُ المجْموعة أبو تُراب:"يا شَباب خُذوا كامِلَ أسلحتكُم واسْتعدّوا"، فذَهب أكثرُ منْ عَشْرةٍ مِنَ الإخوةِ إلى مخْزن السّلاح، وهوَ عِبارةٌ عَنْ مخزنٍ في"كراج"، وبيْنَما هُمْ في المخْزن، أحَدُهم يحمِلُ قاذِفَته، والآخَر يهُمّ بالخُروج حامِلًا"البيكاسي"، وثالثُ يحمِلُ صواريخَ قاذفَة ورابعُ بقذائِفِ الهاون.
بيْنَما هُمْ على هذا النّحو، جاءَ صاروخٌ ضخْمٌ على نَفْس المكان، فسَقَط السّقْفُ عليْهم جميعًا، استُشْهِد في الحالِ سبْعةٌ، وتمّ إنْقاذُ أرْبعةٍ بأعجُوبة كبيرةٍ، على راسِهم أميرُ المجْموعة أبو تُراب، والحَمْد لله على كلّ حال.
هذا؛ والإخوةُ ما زالوا مُرابِطين في المَكان، وفي نفْسِ النّقْطة، وذَهبْنا جميعًا، فالثّغور لا قَدّر الله لو استَوْلى عليها الأعداء، نفَذوا إلى الحيّ الصّناعي بأكْمَله، ومِنْه إلى الفلّوجة، لكنّ شَباب المُهاجرين والأنْصار للأمريكان بالمِرْصاد، والقوّة بالله العزيز الحكيم، ولنْ تَموتَ نفسٌ حتّى تَستكمِل أجلَها ... وإليْكَ سِيرَة هؤلاءِ الشّهداء:
(الدّاعية الشّهيد)
أعْني به الأديبَ الحَبيبَ الدّاعية الموفّق، المُجاهد المُسدّد، الهيّن اللّين، السّهْل المُبْتسم، البخيت مُحمّد الكوبيّ، والذي تسمّى في أرضِ الجِهاد جُلَيبيب.
هذا الرّجُل الفَذّ الذي تَرك الجاهَ والسّلطان، أعْني سُلطانَ العِلْم وجاهَهُ، فقدْ تحرّر مِنْ قُيوده وانْخَلَع مِنْ أغْلال السّمعة والصّيت، وارْتَضى أنْ يصيرَ جُنْديًا مَجهولًا في ثغرٍ مِنَ الثّغور، وبيْنَ سريّة منَ السّرايا. كان شَهيدُنا يسكُن أقْصى جَنوب بِلاد الحَرمَين في مِنْطقة الرّبْع الخالي، في مدينةٍ اسمُها الوَديعة.
طالبُ عِلْم جيّد، كما إنّه داعيةٌ مُوفّق مُسدّد، الْتزَم واستَقام على يَديه في فترةٍ وجيزةٍ أكثرُ مِنْ سَبْعين رجُلًا.
يقولُ لي أبو تُراب وهوَ منْ نفْسِ منطَقتِه:"يا أخي أنا حَسنةٌ مِنْ حسناتِه، وعلى يَديْه عَرِفْت الاستقامةَ والالتزامَ، وبيْنَ يديهِ تعلّمت دُروسَ التّوحيد، وبِكلماته وأفْعالِه غَرس فيَ حُبّ الجهادِ والاسْتشهاد"، يقول:"كانَ يتعهّدُنا في كلّ شيْء، كانَ يعْملُ لنا رَحلاتٍ؛ ليْسَ إلى المصايفِ والمتَنزّهات، ولكنْ إلى مكّة والمدينة، ونَعْتكف هُناك بعْضَ الأيام ويُجلسُنا مع الدّعاة والمشايخ، ممّنْ توسّم فيهم حبّ الجهاد والاستشهاد."
مُتزوّجٌ حديثًا، ورُزِقَ قبْل سَفرِه بستّة أشهُرٍ بطِفْلةٍ أسماها سُميّة، راجيًا مِنَ الموْلى أنْ تَكون على درْبِ سيّدتها سُميّة الأولى، أرادَ السّفر دُون أنْ يعلم به أحدٌ مِنَ طواغيتِ آل سعود، فسافَر إلى اليمن تهريبًا، وهُناك حلَق لِحيته وغيّر مِن شَكْله بعضَ الشّيء، وبينما هوَ يسيرُ في أحد شوارعِ صنْعاء، قابَله أحدُ تلاميذه فعرِفَه، فما كانَ مِنْ صاحِبنا إلاّ أنْ عَرّفه وِجْهته ودعاهُ إلى القُدومِ معه إلى أرضِ العزّة والجهاد. وباليَمن رتّب أوْراق السّفر، وجَهّز نفسه وبدأ الرّحلة لأرضِ الجهاد، يحلُم أنْ يُمْسك البُنْدقيّة، ويُصوّب بها، وتارةً يحلُم أنّه يحمِلُ صاروخًا يدمّر كلّ شيء حولَ الكفّار.
وأخيرًا وصَل إلى بلاد الرّافدين، وبَقي مع مجموعةٍ أنصاريّة جِهادية قُرابَة الأسبوعين، ثمّ التَحقَ بإخوانه منَ المُهاجرين والمُرابطين في الصّف الأوّل. التَحقَ بمجموعةِ القائِد عبد العزيز مباشرةً، وأخذَ يُلحّ للذّهاب إلى الخطّ الأوّل، وتَحت ضغْطِه وإلحاحه تمّ له ما أراد.
ويوْمَ قُدومِه، دَخل المطْبخ، وعمِل غداءً للشّباب، ولأنّه لمْ يكُن صاحِبَ خبْرة في الطّهي، أدْرك أنّ الطّعام كانَ أيّ شيءٍ إلا أنّه طعامٌ صالحٌ للأكل، قُلْ مثلًا حجرًا، شجرًا أو عجينة، المهم قال:"يا شباب، أنا أرى أنّ الأكْل ما عَجبكُم، خَلاصْ أنا أعزِمْكم اليوم على كَباب"، ثمّ أعْطى لأبي ذرّ مبلغًا مِنَ المال، وقال:"ترُوح وتجيب للشّباب كباب ومشاريب وكلّ ما يُحبوه خلاص". لكنّ القَصْف بدأ مُباشَرةً، وأسْرَع جُليبيب ليأخُذَ رَشّاشه من المخْزن، معَ منْ أسرعَ، لكنّ الله اصْطَفاه فسَقط ذلكَ الصّاروخ ليلحَق جُليبيب بحبيبِه الصّحابي الجليلْ جُليبيب، والذي كان يحبّه داعيتُنا.