فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 257

ويَكْفي أبا بصيرٍ فخرًا أنّه تخَلّص مِنْ سَلاسِل الثّروة إلى جِنان الكُهوف، فصوْت الرّصاصِ أحلى وأجْملُ وأمتعُ من عَزْف القِيان، والنّوم بالقُرب من الجُدْران والحوائِط يستَظلّ بها من حرّ الشّمْس أمتَعُ وألذُّ مِنْ برْد المُكيّفاتِ وهَفيفِ المراوحِ، وضَيقُ الكُهوف أرْحَب مِنْ سعة القُصور، حتى إنّ صاحِبَنا عنْدما جاءَ لمْ يكُ قطُّ يسْتطيع غسْلَ ملابِسه حتى درّبَه الجهادُ والتقشّفُ والرّغْبة فيما عِنْد الله، فقَد طلّقَها ثلاثًا، وخَرج مِنْ بَيْته بحِيلة، حيثُ لا يُمكِن له إلا بِذلك، كانَ بالقُرْب مِنْهم مركزٌ لِتَحفيظ القُرآن يَدخُل إليه الطّالبُ شَهْرين ولا يَخْرج حتى يخْتِم كذا سورةٍ منَ القُرآن وبه إقامةٌ داخليّة، وكانَ أهلُه على عِلمٍ بذلك، فادّعى أنّه ذاهبٌ لهذا المكان، ومِنْ ثَمّ لحِق بِركْب طيّب مَيمونٍ وقَدِم إلى أرضِ العِراق، إلى ساحةِ الجِهاد.

اتّصلَ يومًا ما بأُمّه، فرجِع حزينًا وقال: لنْ أتّصِل مرّة أُخرى، فسألَه إخوانُه فقال: لقَدْ أغرَتْني أُمّي بِقَولها: لقد اشتريتُ لكَ السّيارة الفُلانيّة لنوعٍ فارِهٍ منَ السّيارات كانَ يُحبُّ أنْ يَقْتنيه، فلمّا لمْ يُبْد اهتمامَه، انْخرَطَتْ أمّه بالبُكاء وتَوسّلت إليه بالرّجوع فِتْنَة لهُ، وحاشاهُ لأنْ يُطيعَ أمّه في مَعْصية الله، فالجِهادُ جِهادُ دَفْع واستِئْذانُ الوالِدَين لا مَحِلّ لَه.

وأخيرًا مِسْكُ الخِتام، كانَ أبو بَصيرٍ ومِنْ حيثُ لا يَعْلم أحَدٌ مِنَ المُحيطينَ به، كانَ قَدْ سَجّل اسمَه في قائِمَة الشّرفِ، سجّل اسمَه ضِمْن طابورِ العمَليّات الاسْتِشْهادية راجيًا النّكاية في عدوّ الله.

وكانَ مِنْ حُسْن خاتِمَته أنّه في نَهارِ ليلَة اسْتِشْهاده جلَس مَع أخٍ كُرْديّ في المَجموعةِ وقال له:"طوّلْنا في الحياة، ربّ أرزُقْنا الشّهادة"، وكأنّها كانَتْ ساعةَ إجابة، فما أنْ أذّن المَغْرِب وأَسْدل اللّيلُ سِتاره حتى طَوى كراجُ الشّهداءِ صَفْحة أبي بَصير ودَرَس مَعالِمَها مِنْ دار الشّقاءِ ليُسجّل اسْمَه في دار السّعادة والبّقاء؛ نَحْسبه والله حسيبُه، بَقيَ أنْ تَعلَم أنّ شَهيدَنا بَقيَ في أرْضَ الجِهاد وحتّى يومَ استِشْهاده قُرابّة الشّهر، نَحْسَبه صَدَق الله فصدَقهُ وأدْرَك في مُدّة وجيزةٍ ما لمْ يُدْركه غيرُه بِسنوات.

نَسألُ الله أنْ يَجْمعنا به في جَنّة عَدْن عِنْد مَليكٍ مُقْتدر آمين ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت