"البكَتا"الأمريكيّ سيّدُ المَوْقف، فكأنّهم أوْصَلُوها بتِرْعة ماءٍ فلا تهدأُ الرّماية ولا ينْتهي الإطلاق، وكانَ الجوّ حارًا جدًا مع ارتفاعٍ رهيبٍ للرّطُوبة في الجوّ، و أصابَ الأخوةَ في مرابِضهم عطشٌ شَديد، واستمرّوا على ذلِك إلى الظُّهر تقريبًا، ولا يستطيعُ أحدٌ أنْ يرْفَع رأسهُ مِن شِدّة القَصْف والرّماية، فقَطْ تربُّصٌ حتّى إذا حاولَ العدوّ التّقدّم يتِمّ تَدْميره.
لكنّ العطَش اشتَدّ ولمْ يعُدْ بالإخوة طاقة، فتَسلّل أميرُهم ووفّقَه الله وخَرج مِنَ مَوضعِ الخطر، ثُمّ جاءَ بماءٍ باردٍ وأخَذ يطُوفُ على الإخْوة وكُلّما جاءَ إلى مجموعةٍ ليَسْقيهم، آثَروا الّتي بجانبهم، ولأنّ ما حمَلَه الأخُ كانَ قليلًا نَظرًا لصُعوبة الطّريق مِنْ زحْف وغيرِه، فظلّ يطُوف على الإخوة وهكذا دَوالَيكَ، كلّ واحدةٍ تؤثرُ الأُخْرى بالماء، وامتنعُ أميرهم رغمَ عطَشه أنْ يشْرب حتّى شرِب إخوانه.
ولما أُصيبَ الأخُ في"كراج"الشّهداء سابِق الذّكر مع إخْوانه، نُقِلَ إلى مُسْتشفى الفلّوجة، وهُناك تَكفّل به أبو ياسر الأنْصاريّ، حتى لا يُكثِر الأخْوةُ العَربُ منَ الذّهاب إلى المُستشْفى، والّذى كانَ وضْعُه أصْلًا حسّاسًا، ودَخل أبوْ تُراب في غَيبوبةٍ عدّة مرّاتٍ ثمّ يُفيقُ، وفي كلّ مرّة كانَ يُبْكي مَنْ حَوْله، فكُلّما فاقَ مِنْ غَيْبوبته سأَل مَنْ بِجواره:"الأخوةُ هلْ تَغدّوا؟ مَنْ أرْسَل لهم الطّعام؟ ماذا أرْسلْتُم لهُم"، ثمّ يدخُل في غيْبوبتِه ويُفِيقُ بعد فترة يقول:"الإخوةُ ما عنْدهم ماء بارد، بالله عليكُم أرْسِلوا إليهم الثّلج، الحرّ شديدٌ لا تَنْسوهُم بالله علَيْكُم"؛ هكَذا مَنْ عاشَ على شيءٍ مات َعليه، حتى أرادَهُ الله إلى جِوار منْ اختارهُم قبْله، أفاقَ في هذا اليَوم أحْسَن ما يكون، حتى ظَنّ الجَميعُ أنّه بَرِأ مِنْ جُرْحه، ثمّ رَفع سبَابته وقال:"أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ الله، وأنّ مُحمّدًا رَسُول الله".
فنَحسبُ أنَّ أبا تُراب صَدَق فيه حديثُ النّبي صلى الله عليه وسلّم:"مَنْ كانَ آخرُ كلامِه مِن الدّنيا لا إلهَ إلاّ الله دَخل الجنة"، فرَحْمةُ الله على أبي تُراب رحْمةً واسِعةً، ووالله لولا خَشْية الإطالة لوَقفْتُ على حياةِ هذا الدّاعية، وكيفَ كانَ يجْمعُ إخوانَهُ في الجَبْهة ويُعْطى أو يقرأ عليْهم مِنْ فِقْه الجِهاد، على تواضع الرّجل وقِصَصه الكثيرة في ذلك، ولكِنْ نحسَبُ أنّ الرّجُل قَدْ سُجّل لهُ كُلّ ذلك عِنْد من لا يَضيعُ عنْده شيء، ولكنّ البائسَ الكاتبُ، أسألُ اللهَ أنْ يعفُوَ عنّا وأنْ يَغفر لنا إنّه هو الغَفُور الرّحيم ...