لِرماية القاذِفة تكونُ كبيرةً جِدّا بالمُقارنة بِفَتْحة القنْص، ولأنّ صَوْت القاذفةِ مُرتفعٌ جِدّا ممّا يُحدّد مَكان الرّماية، وكذلك للقاذِفة هَبّة خَلْفيّة، ويُصاحِبُ خُروج القَذيفة غُبارٌ، وهذا أيْضا يُحدّد المكان.
المُهم خرَجْت أرْمي بالقَنّاصة من الفتْحة فلَمْ أُصِب هدَفي، إلاّ أنّ العِلْج رمى بِنفْسه على الأرض، ولا أدْري لِيَوْمي هلْ منَ إصابةٍ أم خوْف.
وبَدا بَعدها لأبي تُرابٍ أنْ يَرْمي بالقاذفة، وبَيْنما كانَ يُسدّد قلتُ له: إنْتبه، أخْرِجْ القاذفة كِفاية إلى الأمام وحتى لا تَصْطدم مِرْوحةُ القَذيفةِ بالحائطِ حالَ إنْطِلاقها. ونَفّذ الرّجُل ما قُلْت وكانَ هذا مِنْ تمامِ معرفة العدوّ بنا وتَحْديد مكانِنا. وبَيْنما كانَ يُسدّدُ دَوى انْفجارٌ ضَخْمٌ أمامَ عَيْنه فَلَق الحائِط وفَتح به فتْحة ضَخْمة، ظَننْتُ أنا لأوّل وهْلةٍ أنّ المقْذوف انْفَجر على صاحِبي، ولأنّ الغُبارَ والدّخانَ مَلأ المكان، لمْ أتَبيّن ما حَدثَ لأخي وما هيَ إلا لَحظات إلا و أبو تُراب في يَده القاذفةُ يَبْتسمُ و يقولُ لنا بَسيطة سلّم الله.
فقَد رأتْهُ الدّبابةُ المُواجهة لهُ وكانَت على بُعد ثلاثمائة مترٍ تَقريبًا وسَدّدت للفَتْحة قذيفتين، لكنِ الأولى والأقْربُ جاءَتْ على بُعْد مِتر مِنْ أبي تُراب، وفَتحَت فيه فَتْحةً كَبيرةً ثمّ واصَلَتْ القذيفةُ مَسارَ مَسافةَ أربعينَ مِترًا لتَخْترق جِدارًا أخَر، وكانَت لِغُرفة المَبيت ولتنْفَجر هُناك، لكنَ الله سلّم، فَقدْ جُرِحَ أخوين بجِراح مُتوسّطة، جُرح أبو بِلال الجَزائريّ في رِجْله اليمين وأبو زَرْعة في كَتِفه.
وتمّ تَعيين أبو تُرابٍ أميرًا لهذا المَوقع الحسّاس، وقَد كانَ نِعْم الأمير، فما زالَ منْظرُه أمامَ عينيّ بنِظّارته يتَدلّى مِنْها خَيطان يَحمِلانها كأنّه كبيرٌ في السّن، على الرّغم أنّه لمْ يتَجاوز السّابعة والعِشْرين، ولم يكُن أبو تُراب أبدًا أميرًا على إخوانه بلْ خادمًا لهُم.
فقَدْ كانَ يتَعهّدُهم بالماءِ البارِد ويدُور عليْهم يَسْقيهم، ويَذْهبُ يأتي بالطّعام ويَهْتمّ به، وفي الحِراسةِ يأخُذ أشدّ السّاعات خطرًا، وقدْ كانتْ السّاعةُ الّتي تَكونُ معَ الفَجْر حيثُ يَعْتاد المُجرِمون التّسلّل والهُجوم.
وأذْكُر يومًا حادثَةً لمْ أكُنْ فيها - أي بداخلها - وإنْ كنْتُ بجانِبهم، حدَث أنّ العدوّ قَصف هذه النّقطة بِكثافةٍ عَنيفةٍ مُنْذ الصّباح الباكر، وانْتَشر الأخْوةُ في خَطٍّ قتاليّ مُواجهٍ للخَصْم، واسْتمرّ القَصْفُ عَنيفًا مِن الصّباح إلى قُرابةِ العصْرِ معَ رِمايةٍ كَثيفة للرّمان المُتشظّى وصوتُ