وحّزِن الجَميعُ لِفَقْده، فَقدْ كانَ أبو حَمْزةَ وكان، لكِنّ الظّرْفَ والوَقْت لا مجال فيه للبُكاء ولا الأحزان، فالحَرْبُ تَطْحنُ الشّبابَ طَحْنا، ومَضى الشّبابُ تارِكينَ خَلْفهُم الشَيخَ والغُصّة في حُلوقِهم، لكنّ هذا كانَ هيّنًا إذ قُورِن بما الذي نَكتَ في قَلْبي حُرْقةً وحَسْرة وإلى يومِنا هذا، وأكيدٌ سَتمُوت مَعي وحَتى أُحاجِجَ أمّتي بعُلمائِها يَومَ القِيامة.
فقَد استَقرّ بِنا الحالُ في بيتٍ آخَر مَع مجمُوعةٍ مِنْ أفاضِل الأِخوةِ وأرْسلْنا المُجاهدَ أبا الزّبير اللّيبي إلى جسّد الشّيخ ليُحاولَ دَفْنها لكنّ الرّجُل وبِشقّ الأنْفُس اسْتَطاعَ فَقطْ أنْ يَتأكّد مِنْ وفاةِ الشّيخ ويأتِينا بِبَعْض أغراضِه الشّخصيّة التي كانَتْ في جَيْبيه. على أمَلِ أنْ نَعود إليه مرّة أُخْرى رَيْثَما تَتحسّنُ الأحوال، لكنّها ساءَتْ ولا حول ولا قوّة إلا بالله، فَقدْ جاءَ القنّاصَة إلى رأسِ الفَرْع الذي يَفْصِلُ بيْنَ بَيتَيْنا، مع دبّابة تحصّنتْ في نَفْس المِنْطقة أيضًا فما استَطعْنا إليه سبيلا؛ وبقي هكذا عدّة أيّام ونَحْنُ نَنْظر إليْهِ لا نَسْتطيعُ أنْ نُوارِيَ أخانا، تأكُلُنا الحَسْرةُ ويَقْطَع أكبادَنا الألم، ونَبْكي على ما آلتْ إليه الأحوالُ بِخُذْلان الأمّة.
وحينئذٍ كَتَبْتُ قَصيدتي"المِحْنة"، أشَرْتُ في بَعْض أبْياتها إلى قِصّة الجُثّة، ثُمّ أرْدَفتُها بِقصيدةٍ عنْ أخي وشَيخي أبي حَمْزةَ وكانَتْ كُنْيتهُ الحقيقيَة"أبو عبدو":
لهَفي عَليْك أبا عَبدو ... بَطلٌ مُجربٌ يَعْدو
عِنْد الشّدائِد ألفٌ ... لله دَرّك ... جَدُّ
قَعِد الشّبابُ و قُمْتَ ... بِواجِب الدّين تَجٌدّ
كُنْت المُعلّم والمُربّي ... أبًا حَنُونًا .. لا يَشُدّ
يَرْقى الشّريفُ لِحَتْفه ... والعَبْدُ للحَضيض يَعْدو
النّاسُ تُبْعثُ جِيفَةً ... والمِسْكُ طِيبُك تَغْدو
الله يَرفعُ قَدْرَك ... كَما رَفعْت الدّين جدُّ
وكتبه