وكانَ شيخُنا صِفَتُه الصّمت إلا إذا سُئِل، فإذا تَكلّم تقَطّرت خِبْرتُه مِنْ بَيْن ثَناياه، وعَلِمْت حقًا أنّ الرّجُل يَعشَق البارود طَيّبا. ثُمّ دارَت رُحى الحَرْب في الفلّوجة الثانية، وكانَ نَصيبُ شَيخِنا إلى جِواري مَع زُمرة مِن الأشاوِس في حيّ"نزّال"، وهُناك كانَ عاشِقُ القّنّاصة لا يُفارِق مَحْبوبَته، فَهي"دراغانوف"روسية الصّنع، مِنْظارُها مُصفّر جَيّدا، يتَنقّل بها مِنْ سَطْح إلى آخرَ لعلّه يَصْطادُ جُرذونًا مِنَ الأمريكان.
ثمّ اشْتَدّت رَحا الحرْب أكْثَر و أكثَر وتمّ اقْتِحام نَزّال مِنْ قِبَل العَدوّ، وأيْضًا انْحَزْتُ معَ أبي حمزةَ وعلى الرّغم أنَ الرّجُل كانَ في الخامِسَة والخَمْسين مِنَ العُمْر، إلاّ أنّه كانَ يَقْفز مِنْ فَوْق الجُدْران مِنْ سُورٍ إلى سُور، ورأيْتُ رَشاقَتهُ وخِفّته، قُلْت صَدَق القائل"جَوارِحُ حَفِظْناها في الصّغَر فحَفِظَتنا في الكِبَر"؛ وإليكَ يا أخي لَقْطةً مِنْ لَقطاتِ العِزّ والجهاد مع شَيْخنا.
فَقدْ انْحاز هُوَ ومجموعةٌ مِنَ الأخوة إلى أحَد البُيوتِ عَلى حَسْب الخُطّة المرْسُومة لذلك وكانوا بالطّابق الثّاني، وأتّفق هوَ و أبو جَعْفر على أمْر؛ أنّه إذا دَخل الأمريكان يُفتّشونَ البَيْت لا يَرمي كلّ الأخوة حتّى لا تُسْتَهلك كمّيةٌ كَبِيرةٌ مِنَ الذّخيرة في غَيْرِ مَوْضِعها المُناسب، وحتّى لا يَرْمي الأخْوةُ بَعضَهُم البَعْض، وخاصّة إذا تقدّم المُجاهدون نَحو العدوّ.
ولمْ يَنْتهوا بعدُ مِنْ كلامهم، حتىّ جاءَ الأمريكانُ إلى هذا البَيت وصَعَد جُنْديّ إلى الطّابق العُلْويّ لِتَفْتيشه يَتْبعُه قِطعانُ الجرذان، فما أنْ رأى أبو حمزةَ عَدوّ الله حتّى أمْطَره بوابِلٍ سَقطَ إثْرها أمامَه كأنّه عُذْرة سَقطَت في بِئْر.
ثمّ تَقدّم هُو وأبو جَعْفر وأمْطروا قَطيع الجُرذان خَلفَه بِوابلٍ مِن الرّصاص فَفرّوا بِجِراحهم، ولكنّ عَدوّ الله المَقْتول بَقيَ عِنْد الأخوة.
غَنِم أبو حمزةَ و الأخوة سِلاحَهُ وجُعْبَته، لكنّ الشّيخَ آثَر أبا جَعْفر بالسّلاح، ومَضَتْ المَعْركةُ في هذا اليَوْم حامِيَةً مِنْ بَيْت إلى بَيْت، حتّى عَلا شَيْخُنا أبو حمزةَ سَطْح أحَدِ البُيوت ليَعْبُر مِنْه إلى بيتٍ آخَر، فكان لقائه مع قدّر الله، حيثُ التقطّه قَنّاصٌ أمريكيّ يحتلّ سَطْح بيتٍ مُجاور أعلى مِنه فترجّل الشّيخُ في الحال.