(قال هنا: إذ الهمم قد قصرت، والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت) هذا علة لاختصاره، لما اختصر المقنع، مع أن المقنع كتاب ليس بالطويل كتاب مختصر بالنسبة إلى الكافي بالنسبة إلى المغني، بالنسبة إلى ما هو أطول منه، يقول إن سبب اختصاره هو أن همم طلاب العلم قد قصرت وليست كالهمم التي كانت عند الناس فيما قبل زمنه فكيف لو رأى المؤلف هذا الزمن الذي عسر على طلاب العلم أن يعتنوا بمثل هذا الكتاب ورأوه طويلًا أو لم يعرفوا ويعلموا مسائله ولم يدرسوها ويتطاولون في دراستها بضع سنين وهذا ولا شك أنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( لا يأتيكم عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ) )فكل عام بالنسبة إلى مجموع ما فيه من الخير هو أقل من العام الذي قبله، ومن أمثلة ذلك ضعف الهمم في طلب العلم فإذا رأيت طلاب العلم في هذا الزمن رأيت أن همتهم ليست بشيء بالمقارنة عند همة طلاب العلم في تلكم الأزمان بل إن كل زمن يشكو فيه العلماء من ضعف همة طلاب العلم في ذلك الزمن، فهذا الإمام محمد بن جرير بن يزيد الإمام المعروف المفسر المحدث الفقيه العلم المؤرخ المجتهد لما سأله طلابه أن يكتب تاريخًا للعالم فقال: أتنشطون له، قال قدر كم، قال: قدر ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى فيه الأعمار، قال: الله المستعان ماتت الهمم، فاختصره لهم في نحو ثلاثة آلاف ورقة هو الموجود الآن ثم قال لهم أتنشطون لتفسير القرآن، فقالوا: قدر كم، قال: مثل ذلك، قال: قدر ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى فيه الهمم، قال: الله المستعان، ماتت الهمم، فاختصر تفسير القرآن لهم في نحو ثلاثة آلاف ورقة هو التفسير الموجود اليوم وهو كتاب مختصر، كما ذكره في أول خطبة كتابه هذا ولا شك يجعل التبعة علينا طلاب العلم عظيمة، إذ لابد من حفظ العلم في هذه الأمة من حفظ معرفة التوحيد، معرفة الاعتقاد الحق