وعلى القراءة الأخرى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} وفي القراءة الأولى على الوصل: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} ، أي أن القتل وقع على جماعات من أتباعه كثير، فما فت ذلك في أعضادهم، وما وهنوا، وما ظهر الضعف عليهم، وما استكانوا لعدوهم، وما خضعت قلوبهم، وإنما بقوا ثابتين صابرين، متمسكين بالحق الذي عرفوه.
ثم بعث الله -عز وجل- نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فكانت حياته حافلةً بالآلام، حافلةً بالمصائب، حافلةً بالأوجاع، وكان -صلى الله عليه وسلم- في غاية الثبات.
كان -صلى الله عليه وسلم- أشرف الخلق، وأحب الخلق إلى الله -جل جلاله-، ومع ذلك تتابع عليه هذه الآلام والمصائب والأوجاع، ثم بعد ذلك يتساءل بعض المسلمين في أيامنا هذه: كيف تنزل على هذه الأمة هذه البلايا؟ وكيف يسلط عليها عدوها وهم على الحق؟
النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بعثه الله -تبارك وتعالى- كذبه المشركون ورموه بالسحر، ورموه بالجنون، ورموه بالعظائم، ثم تعاقدوا على حبسه ومن معه في الشِّعب -شعب أبي طالب- فحبسوا ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة، وبقوا محبوسين ومحصورين مضيقًا عليهم جدًا مقطوعًا عنهم الميرة والمادة نحو ثلاث سنين حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب.
وبعد ثلاث سنين خرج هؤلاء جميعًا من الشعب؛ لكنهم لم يفض بهم هذا الخروج إلى راحةٍ وهناءةٍ، بل مات أبو طالب بعد خروجهم من الشعب بستة أشهر، وكان يحوط النبي -صلى الله عليه وسلم- ويكلؤه ويحميه، وما كان المشركون يستطيعون إيصال الأذى إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع وجود أبي طالب.
فلما مات أبو طالب قام هؤلاء المشركون وتطاولوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وازدادت ضراوة عداوتهم.