أولًا: أن من له إلمام بالحديث النبوي وأغراضه التي قيل من أجلها، لن يعثر على حديث فيه محاباة للأمراء والحكام والسلاطين، بل سيجد فيها أحاديث تشدد النكير على تصرفات ولاة الأمور مهما علا سلطانهم في الأرض.
فهل لو كانت السنة دونت في قصور السلاطين تبعًا لأهوائهم كنا نجد فيها هذا الحديث:
"أفضل الجهاد كلمة، حق عند سلطان جائر"رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.؟ ورواه غير أبي داود.
فمن هو السلطان الذي يسمح بتدوين هذا الحديث وأمثاله في قصره، ويمنح واضعه العطايا؟ أليس في هذا الحديث تحريض وترغيب في التصدى للسلاطين والإنكار عليهم؟ وأنت ترى أن هذا الحديث يجعل مقاومة الظلمة من السلاطين أعلى مرتبة من مراتب الجهاد.
وهل لو كانت السنة قد دونت في قصور السلاطين تبعًا لأهوائهم كنا نجد فيها هذا الحديث:
"من بايع ايمرًا من غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا للذي بايعه"رواه الإمام أحمد.
إن هذا الحديث يسد منافذ كثيرة يمكن من خلالها أن يستبد الحكام بأمور المسلمين، فمن هو السلطان الذي يسمح بوضع هذا الحديث في قصره؟ ويمنح العطايا الجزيلة لمن يلف حبل المشنقة حول عنقه؟
إن هذين الحديثين، وغيرهما كثير، كافيان في تبرئة السنة من هذه الشبهة القاصمة.
ثانيًا: إن علماء الحديث أنفسهم كانوا لا يقبلون حديثًا في سنده رجل عُرف بالتردد على السلاطين أو قبول هدايا منهم، أو كانت له خطوة عندهم وهذا منهم احتياط عظيم لحماية السنة من الدخيل والعليل والمكذوب.
ثم غنه تطبيق عملي لحديث يروى في هذا المعنى:"شرار العلماء الذين يغشون الأمراء، وخيار الأمراء الذين يغشون العلماء".