قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) (الواقعة: 58 - 59) ، وبعد ذلك: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الوقعة: 63 - 64) ، وبعده: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ) (الوقعة: 68) ، ثم قال: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) (الواقعة: 71) ، للسائل أن يسأل عن وجه هذا الترتيب؟ وهل كان يمكن تقديم أحد هذه النعم المنعم بها على ما وقع في الآية متقدمًا عليه؟
والجواب عن هذه أن ذكر المتنعم متقدم في الرتبة على ما ذكر من النعم، لأن النعم إنما خلقت للمتنعم بها ومن أجله، فذكره أولًا بين اللزوم، فلهذا تقدم ذكر خلق الإنسان المتنعم بالنعم فقال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ) ، وأما تقديم الأكل على الشرب فمعقول الرتبة وبحسب ذلك ورد المقول المنقول فقال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا) (الطور: 19) ، فالشرب في الغالب للاستمراء وليس أوليًا في الغذاء ولا متعمدًا في الجسوم الحيوانية للنماء، وإنما ورد ذكره مع الأكل تاليًا لكونه في الرتبة ثانيًا فقال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا) . وأما النار فللمنافع من الإنضاج والإسخان والإضاءة فهي متممة وليست كالأكل والشرب مدعمة، إذ لم تكن كالأولى في الغذاء والنماء فليس من المناسبة تقدم ذكرها على الماء.
وورد عقب الآية الأولى قوله: (فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) (الواقعة: 62) وعقب الثانية (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) (الواقعة: 70) ، ووجه المناسبة أن الآية الأولى لمن تدبرها تذكرة بالعودة الأخراوية قال تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (الأعراف: 29) ، فأعقب بالتخصيص على التذكر بالبداءة على العودة. وأما الآية الثانية فمستدعية الشكر على عذوبة الماء ولو شاء لجعله أجاجًا، فخلقة وجعله عذبًا فوجب شكره تعالى على النعمة بذلك.