فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 513

أعمالهم من غير فوات شئ، ثم ذكر تعالى جمعهم ليوم الجمع، ثم أنس المؤمنين فقال:"ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا"، وفي قوله تعالى:"ويعمل صالحًا"إشارة إلى المؤمنين الموعودين هنا، وليس من شرطهم استيفاء أعمال الطاعات إذ يحرز التنكير في قوله:"ويعمل صالحا"ويشعر بهذا المعنى، وما لم تكن العصمة فالتقصير حاصل، ولا انفكاك عن مجترجات، وقد سمع المؤمن""لتنبؤون بما عملتم"فأشفق من تقصيره وهناته، وتوقع مخوف سيئاته، وتشوف إلى تعرف تفصيل الحال في المنبأ به من الأعمال ليعلم المآل، فوجوب على الكمال بكيفية ما به تقابل أعماله فقيل: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ) (التغابن: 9) إذ لابد من محتاج إلى تكفيره إذا كانت السلامة وسبقت السعادة ثم قال:"ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار"إلى آخر الآية، فهذا وجه زيادة قوله تعالى:"يكفر عنه سيئاته"في هذه الآية. ويشهد لهذا المفهوم قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) (الأنبياء: 94) إلى غيرها من الآيات."

وأما آية الطلاق فلا داعي فيها إلى زيادة قوله:"يكفر عنه سيئاته"بل سياقها يستدعي ألا يكون ذلك فيها لأن قبلها: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (الطلاق: 10) ، والأمر بالتقوى يعم ولا يخص، ثم قال تعالى: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا(10) رَسُولًا) (الطلاق: 10 - 11) إلى قوله: (لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (الطلاق: 11) ، أشار إلى النمط الأعلى من المؤمنين المستوفين أعمال الطاعات، أشار إلى ذلك لفظ:"الصالحات"بالألف واللام، وهذه حال المخلصين المحسنين (من المستجيبين) ، ثم تدارك تعالى من لم يبلغ حال هؤلاء من المؤمنين ولحق بهم في النجاة فقال تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) ، فناسب حال المتقدمين من ذوي الإحسان ألا يقع إفصاح يشعر بعصيان"هم القوم لا يشقي بهم جليسهم"، فوقع الاكتفاء بإيماء"ويعمل صالحًا"وقوله"يدخله جنات"وقوله:"قد أحسن الله له رزقا" (الطلاق: 11) فجاء كل من الآيتين على ما يلائم ويناسب، ولم يكن ليناسب ورود العكس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت