الصفحة 100 من 206

الأيام من أن يحكموا الأرض آمادا طويلة فقلبوا الحقائق في أفهام الناس وأوهامهم، وجعلوا سوق الرذائل نافقة، وتجارة الآخرة كاسدة. فكيف يُؤخر الأتقياء عن الحكم ليتولاه الفجرة؟. إننا- لذلك- نخالف ابن عمر في فهمه، ونحسب أن الخلافة صُرفت عن آل البيت لحكمة أخرى. إن الزعامة أولا ليست مما تنقله الوراثة، وكم من سلالات باعدت بينها وبين الأصل فروق ضخمة في الخصائص والمواهب. وربما ظهر في بيوت المسلمين العامة من يعد أرحب ذكاء وأوسع باعا وأصدق إيمانا وإخلاصا من رجال انحدروا من أصلاب أنبياء... وما كان صلاح الأب ضمانا لصلاح ذريته إلى قيام الساعة. ومع هذا فقد يظهر في أولاد العظماء من يحاكون نبوغهم ويجددون في الحياة امتيازهم. والرجال الذين يضمون إلى كفايتهم الخاصة عراقة الأصل يتمتعون بنفوذ مضاعف ومكانة مرموقة. وتلك منح لا تتاح لكل أحد. إن قليلا من الناس يجمع بين الذكاء والجمال، والغنى والعلم، والقوة والحلم، والدين والدنيا. وقد كان الحسين بن على سيدا ابن سيد، ورجولته ـ بغض النظر عن نسبه ـ تستثير الإعجاب. وقد فشل في إسقاط يزيد، وأخذ السلطة منه، وكأن الأقدار صنعت خيرا له ولأهل بيته من حيث لا يحتسب . نعم، لأن الحاكم بشر يخطئ ويصيب، ومكانته من تملك السلطة وتصريف الأمور توجب على الأمة وضعه تحت رقابة دائمة، فإذا أخطأ قومته وإذا اعوج أصلحته. وعندما يكون الحاكم مبتوت الصلة بنسب مهيب تكون الأمة على تقويمه أجرأ، وعلى الثورة عليه ـ إذا جار ـ أسرع وأقطع. أما إذا أخطأ ـ وهو يقول: أنا ابن النبى ـ فإن الخطأ سوف يغتفر له، بل سوف يتأول له. ص _109

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت