فهرس الكتاب
وإن كان أميرهم حيا، وهو مقيم عليهم قاهر لهم. وعماله تجبى بلادهم فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال. ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس ـ بحكم ما في أيديهم من سلطة ـ فيكون الذين دعوك أشد الناس عليك. فقال الحسين: إنى أستخير الله وأنظر ما يكون. ورجع عبد الله وهو متوجس من مسلك الحسين، ثم غلبته محبته له فعاد إليه يكرر نصحه. فقال له الحسين: يا ابن عم، والله إنى لأعلم أنك ناصح شفيق. ولكنى قد أزمعت السير. فقال له: إن كنت لا بد سائرا فلا تسر بأولادك ونسائك. فوالله إنى لخائف أن تقتل كما قتل عثمان. ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال عبد الله: والله الذى لا إله إلا هو لو أعلم أنى إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع على وعليك الناس أطعتنى وأقمت، لفعلت ذلك... ويروى المؤرخون أن عبد الله بن الزبير شجع حسينا على الخروج وزين له الثورة على يزيد، وملأ فؤاده ثقة بأنصاره في العراق وكثرتهم. ويزعم أولئك المؤرخون أن عبد الله كان غاشا في هذه النصيحة وأنه إنما رغب في أن يخلو له الجو في الحجاز حتى تنعقد له إمارته وحده. وهو يوقن بأن الحسين سيهلك في هذه الرحلة المشئومة. وهذا كلام مستبعد، لأن عبد الله بن الزبير أتقى لله وأعرق في الإسلام من أن يقترف هذه الدنية. والحق أن هؤلاء الصحابة كرهوا ولاية يزيد أول ما جاء، وتربصوا به الدوائر. إلا أنهم لم يرسموا خطة بينة في إنقاذ الأمة من بدعته وحمايتها حاضرا ومستقبلا من جريرته. وطبيعى أن ينظر كل منهم إلى يزيد نظرة دخيل على الخلافة، وأن يتمنى لو كان في مكانه هذا من هو أفضل منه. وعبد الله بن الزبير لا يرى بأسا في أن يتقدم الحسين لاسترداد الخلافة من يزيد. فهو ـ في نظره ـ مؤيد بشيعة تعينه على بلوغه غايته . ص _111