الصفحة 104 من 206

إن الملوك لا يستكثر عليها شىء في سبيل تدعيم سلطانها. ولعل الحسين أحس الغدر من قوم أبغضوه أشد البغض، ولهم مع أبيه وشيعته صحائف قانية. ولأن يموت وهو يبذل جهدا ما في حرب باطلهم أحب لديه من أن يقع في أيديهم غنيمة باردة. وهكذا اقتنع الحسين بضرورة الخروج إلى العراق، وليقع له ما يقع. روى عنه أنه قال: رأيت رؤيا، فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد أمرت بأمر أنا ماض فيه. فلما سئل عن الرؤيا قال: ما أنا بمحدث عنها حتى ألقى ربى... ولقى الحسين في طريقه الفرزدق الشاعر المشهور، فسأله عن أمر الناس وما وراءه، فأجاب الفرزدق: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بنى أمية. ولكن الحسين مضى لا يلوى على شىء حتى اقترب من الكوفة. إن الطريق مقفرة ! أين الوفود التى يرجو أن تستقبله؟ أين أصحاب الرسائل الذين كتبوها ألوفا ألوفا؟ أين حملة السلاح الذين انقضوا على الملك العضوض؟ بل أين الحماة الذين يؤنسون الراكب المستوحش؟ لا شىء من ذلك! لقد جاء بدلهم رجال الشرطة يبغون اعتقال الثائر الفريد.. وانطفأت حماسة الحسين بعدما شاهد قبح الغدر به، فقال لقائد الجند الذين أرسلوا لأخذه ومن معه: اختر منى إحدى ثلاث خصال: إما أن تتركنى أرجع كما جئت.. فإن أبيت هذه فسيرنى إلى يزيد فأضع يدى في يده فيحكم في ما يرى. فإن أبيت هذه فسيرنى إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت!. فكان تعليق عبد الله بن زياد على هذا العرض: الآن إذا علقت مخالبنا به يرجو الخلاص..؟ ولات حين مناص؟ وأبى عليه واحدة من الثلاث . والحق أن الحسين كان عادلا عاقلا فيما رجاه وأن بطر القوة المنفردة بالحكم هو الذى ص _113

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت