الصفحة 105 من 206

أملى برفض الطلب الذى يصون هيبة الحاكم ويحفظ كرامة رجل كالحسين له مكانته التى لا شك فيها. وبديهى أن يتأبى الحسين على ذل الإسار، وأن يستعد للنضال عن شرفه وأن يبوئ عشيرته مقاعد للقتال، حتى يحكم الله بين الفريقين. روى أن الحسين حين مضى بأصحابه جلسوا يستريحون قليلا، فخفق الحسين خفقة، انتبه على أثرها فزعا، وهو يسترجع ويحمد الله. فسأله ابنه الأكبر: جعلت فداك! مم استرجعت وحمدت؟ قال الحسين: رأيت فارسا على فرس يقول: القوم يسيرون والمنايا تسرى إليهم. فعلمت- يا بنى- أنها نفوسنا نعيت إلينا. فقال ابنه: يا أبت، لا أراك الله سوءا، ألسنا على الحق؟ قال: بلى، والذى إليه مرجع العباد . فقال الغلام: إذا لا نبالى أن نموت محقين. ودار القتال واستمات الحسين وصحبه في الدفاع عن أنفسهم حتى كاد جند ابن زياد يفشلون في النيل منهم على كثرتهم. لكن ما تجدى الشجاعة والفروسية أمام هذه الأضعاف المضاعفة؟ أخذ فرسان أهل البيت يتساقطون بطلا بعد بطل. ولبث الحسين ينافح وحده في معركة لا أمل بها. قال عبد الله بن عمار ـ وهو ممن حاربوا الحسين ـ: حملت عليه بالرمح فانتهيت إليه لأقتله، ثم قلت: ما أصنع بقتله، ليقتله غيرى. فانصرفت غير بعيد، فقاتله رجال عن يمينه وشماله، فحمل عليهم الحسين بقوة حتى تفرقوا، وعليه قميص من خز معتم. فوالله ما رأيت مسكورا قط ـ مات ولده وأهل بيته وأصحابه ـ أربط جأشا ولا أمضى جنانا ولا أجرأ مقدما منه. ولقد وجدوا ببدنه بعد استشهاده ثلاثا وثلاثين طعنة، وأربعة وثلاثين ضربة كلها فيما أقبل من وجهه وجسمه. ص _114

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت