الصفحة 106 من 206

ويروى أن الحسين قال وهو يخوض هذه المعركة، أو هذه المجزرة: سأمضى، وما بالموت عار على الفتى! إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما! وآسى الرجال الصالحين بنفسه وخالف مثبورا وفارق مجرما! فإن عشت لم أندم، وإن مت لم ألم كفى بك ذلا أن تعيش وترغما!! وبهذا الختام الحالك انتهت مأساة كربلاء. قتل الذكور كلهم إلا طفلا، وأخذ سائر النسوة أسرى. ومشى أهل البيت إلى يزيد يجرون قيود الهزيمة والثكل. وللأمم فترات يتبلد فيها إحساسها، فتطيف الأخبار الهائلة بها، وهى حالمة ساهمة، بين روعة المفاجأة، واستكانة العجز، وخزى الفشل. وقد سرى موت الحسين في أرجاء العراق، وبدأت أصداؤه الكئيبة تتردد في الآفاق ودويه المزعج يطق في كل فج. وبين وطأة القوة المنتصرة وتربص الجماهير المحنقة جعل هذا المصرع المؤسف يعمل عمله السريع والبطىء في نفوس المسلمين. فكان مثار فتن وقلاقل بقيت تهز كيان الأمة الكبيرة أجيالا متطاولة. والمؤرخ للعقائد وعملها الحاسم في توجيه الحياة، يجب أن ينبه إلى أمور: منها أن كل جهد في محاربة الباطل لا يذهب سدى، وأن التضحيات المبذولة ـ وإن بعدت نتائجها ـ تعمل عملها المتمهل أو المتقطع في القضاء على الطغيان، وأن صدق النية قلما يضيع أثره عند الله، أو عند الناس. والجبناء في حرب المنكر يتعللون لقعودهم بأعذار شتى: منها أنهم قد يهلكون دون جدوى، ويظل المنكر قائما لا صدع به. وهذا خطأ . فإن الانتقاض المتجدد عليه يقرب مصيره، إن لم يعجل به.. ص _115

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت