الصفحة 107 من 206

وقد مات الحسين، وظل مُلك أمية بعده حيا. إلا أن دمه المسفوك هو الذى قوض الحكم الأموى وألب عليه النفوس، فما زالت تناوشه حتى انهار.. والعاطفة النبيلة ضد الظلم لا تغنى البتة عن الرأى الحصيف والتدبير الحسن. وعندى أن قول الشاعر: إذا هو ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانبا لا يناقضه قول الآخر: الرأى قبل شجاعة الشجعان هو أول، وهى المحل الثانى وذلك أن هناك فروضا يعتد بها الفكر المجرد، فلا معدى عن حسابها. وهناك فروض يظهرها الخوف على العمر، والحرص على المال، فلابد من تنحيتها. فالشجاعة لا تعنى الحمق واطراح الرأى وتقليب وجوهه. والعقل لا يعنى تجسيم الأوهام، والتشبث بأذيال الحياة على أى لون. وقد عاش الحسين شجاعا ومات شجاعا. وربما تسرب الخطأ إلى خطته في المقاومة، على أن الملابسات التى اكتنفته قد تخفف من لومه، والخطايا التى ارتكبتها الحكومة في قمعه تبرر سوء الظن بها إلى حد بعيد.. والحسين السيد لا يتوقع منه إلا أن يكون ـ إلى الرمق الأخير ـ بطلا عالى الهمة. إن أصحاب العقائد عندما يحاط بهم يشبهون النار عندما تنفخ فيها الرياح. تتحفز مشاعرهم كلها ويجابهون الأخطار ببأس شديد. وقد قتل قبله بشهور (مسلم بن عقيل) فكان في دفاعه وتصبره وجلده مثلا للرجولة المبرأة الماجدة. أحاط سبعون من شرطة ابن زياد بالدار التى لجأ إليها، فلم يشعر مسلم إلا والقوم حوله. ص _116

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت