الصفحة 114 من 206

رجال عز أشباههم إن الرجال الذين تصلح بهم الحياة ويطيب معهم العيش ليسوا نماذج معتادة من هذا الغثاء الكثير الذى تراه العين ولا تجد فيه طائلا. بل هم نماذج فريدة للفضائل الجليلة والأخلاق النبيلة والمواهب التى قلما تلقى نظائرها لأنها كالمعادن النفيسة لا توجد إلا على ندرة. وحاجة العالم إلى أولئك الرجال كحاجة العقل إلى المعرفة التى يتألق بها. وحاجة الجسم إلى الطاقة التى يتحرك بها.. بل إن وجود أولئك الرجال بعض الخير الذى يبثه الله في الحياة ليعيد إليها توازنها إذا اختل. وبعض الأمان الذى يسكن به النفوس القلقة، ويرجع إليها ثقتها بالحق إذا هالها ازدحام الدنيا بالأوغاد والمبطلين. ألا تنحنى احتراما للإيثار العالى وأنت تسمع أحمد بن حنبل يقول: اللهم إن قبلت عن عصاة أمة محمد فداء فاجعلنى فداء لهم... إن الغم الذى يرين على فؤادك من الأثرة الطافحة الغاشية هنا وهناك ينكشف كله أمام الشعاع الطهور الوضىء الذى يبرق في هذه الكلمة الرائعة. وانظر إلى طبيعة الخير المتغلغلة في أعماق هذا الإمام يدعو في سجوده: اللهم من كان من هذه الأمة على غير الحق ـ وهو يظن أنه على الحق ـ فرده إلى الحق ليكون من أهل الحق. دع هذه القمة الشماء، ونقل بصرك في قوم إذا رأوا الحق معك كرهوك من أجله، أو كرهوه من أجلك. فإذا حملوا عليه حملا أو نقل إليهم نقلا، حولوه إلى تجارة خاصة، ثم حاولوا احتكار الصنف، لينفردوا بمغانمه. كأن الإيمان سلعة تباع في سوق الجشع والمنفعة. وليس جهادا ترجح مغارمه بكل ما ينشده الانتهازيون من مال وجاه.. ص _ ص 3

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت